محمد عبد الكريم عتوم

24

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

دائرة علم الأصول التقليدية المحصورة بالمناقشات اللغوية ، والمجادلات المنطقية الصورية التي انتهت إلى قوالب جامدة لا تنتج فكراً ولا تولدّ فقهاً . فقد اجتهد الأقدمون في بيئة ثقافية واجتماعية خاصة ، وقد تصدوا لمعالجة مشكلات واقعهم وظروفهم في ذلك الوقت ، فكانت مناهجهم واجتهاداتهم في جانب كبيرٍ منها محدودة بظروف ذلك الواقع ، ومحكومة بحدود تلك البيئة . وإذا لم نقم بصياغة الواقع في ضوء رسالة الإسلام فإنه سيصاغ في ضوء نظريات أخرى ، خاصة وأن الدور الملقى على المسلم هو قيادة الناس جميعاً لحياة تقوم على أسس الإسلام الكبرى ، فالتجديد شرط لأصالة التدين « 1 » . إن التجديد بمعناه الواسع الشامل لا يتأتى إلا بقيادة " مؤسسية " تتسع لتستوعب كل هموم التجديد ، وتقوى على النهوض بأعبائه الفكرية والعملية . والأمر ليس مقتصراً على تراث قديم كان منسياً ، بل هو اجتهاد لبسط طروحات جديدة ، لا بل يلزم بناء منهج جديد لاجتهاد ، واستنباط من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، واعتباراً بالتراث ، واستعانة بالعلم والتجربة المعاصرة لتغطية حاجات الفتاوى خاصةً في المجال السياسي وهو المجال الذي لا يزال يعاني فقراً فقهياً ملحوظاً مقارنةً بجوانب الفقه الأخرى « 2 » . وضمن هذه الرؤية التجديدية المعاصرة ، وضع الباحث مرتكزات وخطوطاً عريضة لمشروع أنموذج في الفكر التربوي السياسي الإسلامي ، كخطوة أولى ولبنة أساسية ، لبلورة مشروع دستور إسلامي شامل يتضمن قيم الديمقراطية ، والمواطنة ، والمساواة ، وحقوق الإنسان ، وحقوق الأقليات ، وحقوق المرأة السياسية ومشاركتها ، وسائر الحريات السياسية الأخرى ، يكون مقبولًا لدى المسلمين عامة ، ولدى أبناء المجتمعات الإسلامية التي يتكون سكانها من مزيج من السنة والشيعة بصورة خاصة . ويرى الباحث أنه قد آن الأوان لتجاوز العقلية الفقهية السائدة عند المذهبين ، ذلك أن الاعتماد على المعايير الفقهية فقط في نشر مفاهيم تعزز التسامح وتؤسس لمبدأ التعايش ، ليست قادرة

--> ( 1 ) - الترابي ، 1990 ، 202 . ( 2 ) - الترابي ، 1990 ، 111 .