محمد عبد الكريم عتوم

221

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

وبعد ذلك لم يكن لهم أي دور في اختيار الخلفاء بعد عهد الخلفاء الراشدين حيث أصبحت الخلافة وراثية . ويعتقد الباحث بأن هذا الاضطراب والغموض وعدم التوافق والانسجام بين الفقهاء حول هذا المفهوم رغم أهميته وتأثيره الكبير على الحياة السياسية في المجتمع الإسلامي والأثر الذي سيتركه كان نتيجة هيمنة وكبت الحكومات المستبدة للحريات ، والتي حالت دون بلورة هذا المفهوم وإظهاره إلى حيز الوجود ، وكذلك خشية هذه الحكومات أن يكون لهذه الجماعة ترتيب دستوري يحد من سلطاتهم ، مثلما أدى أيضاً إلى جمود الفقه السياسي وتأخره مقارنة بمواضيع الفقه الأخرى ، وخاصة بعد أن تحولت الخلافة الإسلامية إلى ملك عضوض وأصبحت وراثية مقتصرة على أبناء الأسرة الحاكمة . ولكن من ناحية أخرى فإن التكرار والتأكيد على هذا المفهوم يؤكد إدراك الفقهاء والعلماء لأهمية هذا المفهوم باعتباره أبرز المرتكزات التي تقوم عليها الشورى . وقد كان العلّامة ابن خلدون ذا رأيٍ صائب ، ولا غرابة فهو مؤسس علم الاجتماع السياسي والعمران البشري ، وهو الأقدر على تحليل بنية المجتمع العربي الإسلامي ، حيث عزا هذا الاضطراب إلى العصبية ، ورأى أن الشورى والحل والعقد تنحصر بمن له عصبية يستطيع من خلالها الحل والعقد " حقيقة الحل والعقد إنما هي لأهل القدرة عليه ؛ فمن لا قدرة له عليه فلا حل ولا عقد لديه ، اللهم إلا أخذ الأحكام الشرعية عنهم وتلقي الفتاوى منهم فنعم ؛ والله الموفق . وربما يظن بعض الناس أن الحق فيما وراء ذلك وأن فعل الملوك فيما فعلوه من إخراج الفقهاء والقضاة من الشورى مرجوح . وقد قال ( ص ) أن العلماء ورثة الأنبياء . فاعلم أن ذلك ليس كما ظنه البعض . وحكم الملك والسلطان ، إنما يجري على ما تقتضيه طبيعة العمران وإلا كان بعيدا عن السياسة . فطبيعة العمران في هؤلاء لا تقتضي لهم شيئاً من ذلك ، لأن الشورى والحل والعقد لا تكون إلا لصاحب عصبية يقتدر بها على حل أو عقد ، أو فعل أو ترك ، وأما من لا عصبية له ولا يملك من أمر نفسه شيئاً ولا من حمايتها وإنما هو عيال على غيره فأي مدخل له في الشورى ؟ أو أي معنى يدعو إلى اعتباره فيها ، اللهم إلا شوراه فيما يعلّمه من الأحكام الشرعية فوجوده في الإفتاء خاصة ، وأما شوراه في السياسة فهو بعيد عنها لفقدانه العصبية والقيام على معرفة أحوالها وأحكامها " « 1 » .

--> ( 1 ) - ابن خلدون ، 224 .