محمد عبد الكريم عتوم
212
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
ففي الفقه السياسي يشترط في الترشّح لمنصب الرئاسة شروط كثيرة تتركز في مجملها على المنحى الإيماني والأخلاقي والعلمي كما هو واضح ، ثّم يوكل إليه التصرّف في شؤون الأمة باجتهاده ، تصرّفاً يشبه أن يكون مطلقاً ، في نطاق ما هو مسموح به في الشرع ، وليس في هذا الفقه من أحكام الشورى المقيّدة لتصرّف الرئاسة قدر ذو بال ، وإن وُجد شيء من ذلك فإن الشورى المعلمة لا الملزمة كانت هي الصوت الأعلى فيه ، وهو ما جرى الأمر عليه في واقع الحكم في الدولة الإسلامية طيلة تاريخها تقريباً . ويبدو أنّ الفقه السياسي الإسلامي كان ينحو في هذا الشأن المنحى المثالي المجرّد من جهة ، ومنحى اتّقاء الفتنة والسيطرة من جهة أخرى ، وكأنّ الشروط الإيمانية والأخلاقية المشروطة في الإمام ، اتُّخذت مبرّراً لتوسيع سلطته ، واعتبرت ضماناً للالتزام بالعدل والابتعاد عن الاستبداد ، فأوكل الإمام إذن إلى تقواه وعلمه في تصرّفاته ، وانحسرت بذلك الأحكام الشرعية المقيدة لتلك التصرّفات من خارج ذات الإمام مثل أحكام الشورى وما في حكمها . وفي هذا الصدد يمكن في سبيل المراجعة ، العودة إلى نصوص الشرع وإلى واقع ما جرى به التاريخ ، فقد جاءت الآيات القرآنية المقيّدة لتصرّفات الإمام في الشورى صريحة بيّنة كما في قوله تعالى : وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ « 1 » وفي قوله تعالى : وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ « 2 » وجاءت السيرة النبوية مطبّقة لذلك على وجه قطعي ، إذ لم يكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقطع برأي في الشأن السياسي إلّا عن مشورة من أصحابه ، وكثيرا ما كان يتصرّف بمقتضى رأيهم المخالف لرأيه ، والتزم ذلك النهج الخلفاء الراشدون في عموم تصرّفاتهم ، ثمّ بيّن التاريخ أنّ الإمام حينما يُوكل إلى شروط التقوى والعلم حتى وإن كانت متحقّقة فيه بالفعل دون الرقابة الخارجية من الأمة ، فإن شهوة السلطان سريعاً ما تسقط به في مهاوي الاستبداد . إنّ هذا التأصيل من جهة ، وهذه العبرة التاريخية من جهة أخرى يدفعان إلى ضرورة أن يتّجه الأنموذج بشأن الرئاسة وجهة التأسيس للأحكام الشرعية التي تضمن أن يتصرّف رئيس
--> ( 1 ) - آل عمران ، آية 159 ( 2 ) - الشورى ، آية 38 .