محمد عبد الكريم عتوم
208
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
نزعات السيطرة والهيمنة ، فيكون من وظائف الدولة الكبرى تحقيق العدالة في المجتمع ، سواء في الفرص التي تتيحها لشعبها ، أو في توزيع الثروات والإمكانات ، أو في مشروعات البناء والتنمية . فالدولة كمؤسسة ، معنية بإنجاز مفهوم العدالة في حياة مجتمعها . ويعتقد الباحث بأن الصيغة الاتحادية للدولة " النظام الاتحادي " القائمة على أساس كونفدرالي ربما يكون هو النظام الأنسب لشكل الدولة الإسلامية المعاصر ، وذلك لأن تطبيق مثل هذا النظام يحول دون حدوث المشكلات التي واجهت هيكل الدولة الإسلامية منذ العهد الأموي وحتى الخلافة العثمانية ، حيث كانت المركزية المفرطة ، واحتكار السلطة في عاصمة واحدة ، دون مراعاتها لخصائص الشعوب والأقوام المندرجة ضمن إطارها عاملًا رئيساً في إثارة الفتن والقلاقل في الدولة الإسلامية وحدوث الانقسامات ، وخروج الولايات وبعض الأقاليم على سلطة الدولة مما كان يؤدي إلى تلاشيها وانهيارها . ومن خلال مراجعة أسباب انهيار دولة الخلافة الإسلامية نلاحظ أن المركزية المفرطة ، واحتكار السلطة ، وكذلك تركيز الثروة بأيدي طبقة محددة ، بالإضافة إلى ضعف العامل الثقافي وخاصةً تراجع اللغة العربية ، أبرز الأسباب في فشل الدولة الإسلامية ويلخصها أحد المفكرين البارزين المعاصرين بقوله " وكانت اللغة العربية المرجع لأصول الدين الواحد ، أقوى سبب للتوحد إلى أمة الإسلام وإن بقيت لغات أخرى أشيع عند العامة . . . كما كانت مركزية السلطان المفرطة طاردةً ، كذلك كانت الثروة تتركز وتفرق مجتمع المسلمين ودولهم تبايناً ، بينما عرف الدين في أصوله ، الحكم موحداً بالشورى والتناصح ، والمال موحداً بالتعاون سعياً إل كسبه وإنفاقه له زكاة وتكافلًا يقرّب ولا يفسده منٌّ ولا أذىً يجافي بين المؤمنين . وكان آخر عهد المسلمين بسلطان واسع يضم وسط الأمة هو الخلافة العثمانية التي امتدّت ونظمت الأراضي العربية ثم امتدت شمالًا في أرض البلقان . لكن مركزية الجبروت لم تمتّن الوحدة بالشورى ، بل كانت عامل فتنة ضاعفها احتكار الثروة وضعف الثقافة الإسلامية عموماً ، ذلك أهاج النزعات القومية في البلقان ، لأن الإسلام لم ينتشر ليجمع القلوب بينهم وبين العرب . أو الأتراك أنفسهم لأن دعوات غريبة على الدين فشت في قيادات ، أثارت عصبيات العامة ودفعتها مكائد الغربيين الحريصة على هدم الإسلام ليصدوا خطره ويرثوه " « 1 » .
--> ( 1 ) - الترابي ، 2003 ، 482 .