محمد عبد الكريم عتوم
203
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
هي وضع دستور لها ، وقد أكد علماء وفقهاء المسلمين من أهل السنة والجماعة والشيعة الإمامية في مختلف عصورهم ، على ضرورة نصب الإمام لإقامة حكم الإسلامي وإنفاذ الشريعة ، والتي تتضمن أوامر عامة كإقامة العدل والشورى والمساواة ، وفيها شرائع تفصيلية تأمر بوسائل محددة لتنفيذ أحكام الشريعة ، وفيها أمر للأئمة والحكام بالعدل والشورى ، وللأئمة بالسمع والطاعة . كما يتفق معظم مفكري وفقهاء السنة ، والشيعة الإمامية على أن الدولة ضرورة من ضروريات الاجتماع ، ولعل في إشارة الإمام علي بن طالب إلى أنه " لا بد للناس من أمير بر أو فاجر " ، تأكيد على هذه الحقيقة التاريخية والإنسانية . فالدولة حاجة اجتماعية وضرورة سياسية وحضارية ، وكل وظائفها وأدوارها لا تخرج عن نطاق خدمة المجتمع والأمة من موقع المسؤولية والسلطة . وهو ما يؤكده أحد فقهاء الشيعة المعاصرين بقوله " إن التحديات الخطيرة التي تواجه العالم الإسلامي في عقيدته وسياسته وشريعته وثورته واقتصاده وثقافته وأمنه تفرض على المسلمين التطلع إلى إقامة دولة أي دولة تلتزم مواجهة هذه التحديات من موقع الفكر الإسلامي ، قاعدة وشريعةً وحركة . . . ومن المفروض أن يفكر الإسلاميون على مستوى الحركات الإسلامية بأن الوقوف مع هذه الدولة ، الإسلامية يمثل الوقوف مع حركة الدعوة الإسلامية من موقع متقدم لأن الدولة تعطي الدعوة للإسلام حركة عالمية من قاعدة القوى " « 1 » . أما شكل هذه الدولة فإن الدين الإسلامي ، بكل قيمه وتشريعاته لم يحدد شكلًا محدداً للدولة والسلطة ، بل حدد مجموعة من القيم والمبادئ الدستورية التي تقوم عليها ، وتعمل على تنفيذها في الداخل والخارج . أما طبيعتها فهي دولة عالمية مسرحها العالم ، وليست دولة وطنية أو قومية أو قطرية ، وعالميتها منبثقة من طبيعة الدين الإسلامي استناداً لقوله تعالى وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ « 2 » .
--> ( 1 ) - فضل الله ، 1990 ، 315 . ( 2 ) - سورة سبا ، آية 34 .