محمد عبد الكريم عتوم

19

الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة

إن هذا الواقع يعكس تبايناً في الثقافة السياسية السائدة في معظم المجتمعات الإسلامية ، فهي ثقافة في مجملها ترتكز على ثقافة العائلة والقبيلة والقطر ، وليس على الأمة ، وأن التباين المذهبي إذا ما تلازم مع هذه الاختلافات تصبح المشكلة أكثر خطورة ، حيث يصبح الصراع والتنافس عميقاً وشاملًا . ومن هنا تبرز الحاجة ماسة لتحقيق وإيجاد ثقافة سياسية توفيقية ، تقبل الاختلاف ضمن وحدة الإيمان ، لإيجاد وسط اجتماعي تربوي ، ينظر للخلافات المذهبية في إطار التعددية الطبيعية الناتجة عن تفاوت العقول في الرؤية الاجتهادية ، واختلاف المكونات الثقافية والعوامل التاريخية ، التي أسهمت في ترسيخ المذهبيات الإسلامية . لقد نشأت المذهبية الإسلامية في بدايتها في أحضان الاختلافات السياسية ، ونمت وترعرعت في ظل هذه الاختلافات ، قبل أن تصبح مؤسسات فكرية ومدارس فقهية ، فجوهر الخلاف بين السنة والشيعة ، يدور حول الفقه السياسي وموضوع الإمامة والحكومة السياسية ، فالقضية السياسية هي أصل الخلاف ، ومثلما أنها كانت عامل تمزيق وإضعاف المجتمع الإسلامي يمكن أن تكون عامل قوة ووحدة وتضامن بين المسلمين . إن جميع المذاهب الإسلامية بما فيها مذهبي السنة والشيعة الإمامية هي في جوهرها تعكس أوجهاً للتعددية الفكرية والاجتماعية والسياسية في الفكر الإسلامي ، وتدور في كليتها وجدليتها حول محور التوحيد ، باعتباره قلب الفكر والتاريخ الإسلامي ، وهو في نفس الوقت يشكل الحد الأدنى الذي يسمح بالتنوع والاجتهاد في النظر الشرعي والخيار الواقعي . كما أن تعدد المذاهب ، هو أيضاً نتيجة حتمية للاجتهاد واستنباط الأحكام وقد كان ولا يزال دليل عافية . لقد أدى إقفال أهل السنة والجماعة لباب الاجتهاد في أوائل القرن الخامس الهجري في وجه المجتهدين العلماء وإلغاء جميع المذاهب الفقهية التي كانت قائمة قبل ذلك التاريخ ، عدا المذاهب الأربعة ، وهي الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي ، والنظر لأئمة هذه المذاهب نظرة فيها قدسية وعصمة ، أدى ذلك كله إلى الحجر على العلماء والمجتهدين بعدم تجاوز عتبة هذه المذاهب الأربعة التي حصر التقليد بها . كما حال دون استحداث مذاهب جديدة وظل الاجتهاد يدور في إطارها وتفسيرها ، مثلما حال إغلاق باب الاجتهاد دون الإفادة من مواهب العلماء التي