محمد عبد الكريم عتوم
108
الأنموذج الإسلامي للتربية السياسية المعاصرة
هو ما يقرب العبد إلى الطاعة ، ويبعده عن المعصية ويحمله على طريق الحق ، وهذا المعنى تحققه الإمامة . ذلك أن وجود قائد ينظم شؤون الناس بإخلاص وتجرد يردع الظالم ، وينصف المظلوم ، هو تجسيدٌ لمعنى اللطف ، وكل مجتمع إنساني لا بد له من رئسٍ يدير أمره « 1 » . لقد استدل الشيعة ، بقاعدة اللطف على وجوب نصب الإمام ، وجوباً عقلياً ، ووجوبها على الله بصفته مصدرها الوحيد ، وليس وجوبها على البشر لأنهم لأ شان لهم بها . وبما أن الإمامة لطفٌ إلهي ، فكان واجباً على الله أن ينصب الإمام لطفاً بعباده ، لحثهم على الطاعات ومنعهم من المحظورات ، " فالحجة لا تقومُ لله على خلقه إلا بإمامٍ حتى يعرف " « 2 » . وبما أن نصب الإمام واجبٌ عقلًا على الله ، فلا يليق بعدله ، ولطفه ، وعطفه أن يهمل هذا الأمر ، ويروى عن الإمام الصادق قوله " إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام ، كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم ، وإن نقصوا شيئاً أتمه لهم " « 3 » . ويستند الشيعة أيضاً إلى أساسٍ آخر ، وهو اعتبارهم الإمامة استمراراً للنبوة ، معتبرين أن الدليل على النبوة ، هو نفسه الدليل على استمرار الإمامة . فدورة الإمامة هي استمرارٌ لدورة النبوة ، لأن الإمام هو وريث علم النبوة بمفهومه الواسع ؛ فهو الحافظ للشريعة والمشرع معاً ، والإقرارُ بإمامته هو إقرار بأصل من أصول الدين . ولما كانت الإمامة خلافة النبوة ، فالإمام يجب أن يكون جديراً بالنيابة عن الرسول ( ص ) في السلطتين الروحية والزمانية ، ولذا فإنهم يضفون على الإمام صفات تشبه صفات النبي ، بحيث أصبح للأمام ما للنبي على الناس من الولاية الاعتبارية ، والولاية التكوينية ، ولا يختلف عنه إلا بنزول الوحي ، ومن هنا اعتقدوا بعصمة الإمام ، كعصمة النبي . ويستند الشيعة الإمامية ، إلى الواقع التاريخي ، ويستنتج مفكروها بأنه لا جدوى من الجدل حول نصب الإمام بالاختيار من جهة من تنعقد به الإمامة ، أو من خلال أهل الحل والعقد ، أو مجلس الشورى ؛ لأنه لم يحدث أن قامت إمامة على الاختيار الحر ، والمشيئة المطلقة لجمهور
--> ( 1 ) - آل ياسين ، 1413 ، أصول الدين ، 270 . ( 2 ) - الكليني ، 1990 ، ج 177 ، 1 . ( 3 ) - الكليني ، 1990 ، ج 1 ، 178 .