عباس محمود العقاد

84

أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )

عفيف الأزدي الذي ذهبت إحدى عينيه يوم الجمل وذهبت عينه الأخرى يوم صفّين ، فصاح بالوالي غداة يوم انتصاره وزهوه : « يا ابن مرجانة ! أتقتل أبناء النبيين وتقوم على المنبر مقام الصدّيقين ؟ ! إنّما الكذّاب أنت وأبوك والذي ولّاك وأبوه » . فما طلع عليه الصباح إلّا وهو مصلوب « 1 » . إلى هذا الأفق الأعلى من الأريحيّة والنخوة ارتفعت بالنفس الإنسانيّة نصرة الحسين ، وإلى الأغوار المرذولة من الخسّة والأثرة هبطت بالنفس الإنسانيّة نصرة يزيد . . وحسبك من خسّة ناصريه أنّهم كانوا يجزون بالحطام وهتك الأعراض على غزو المدينة النبويّة واستباحة ذمارها « 2 » فيسرعون إلى الجزاء . . يسرعون إليه وليسوا هم بكافرين بالنبي الدفين في تلك المدينة ، فيكون لهم عذر الإقدام على أمر لا يعتقدون فيه التحريم ! بل حسبك من خسّة ناصريه أنّهم كانوا يرعدون من مواجهة الحسين بالضرب في كربلاء ؛ لاعتقادهم بكرامته وحقّه ، ثمّ ينتزعون لباسه ولباس نسائه فيما انتزعوه من أسلاب ! ولو أنّهم كانوا يكفرون بدينه وبرسالة جدّه لكانوا في شرعة المروءة أقلّ خسّة من ذاك . * * * وتتقابل وسائل النجاح في المزاجين كما تتقابل المقاصد والغايات . .

--> ( 1 ) راجع : الإرشاد 2 : 117 ، الكامل في التاريخ 3 : 297 . ( 2 ) ذمار القوم : ما يجب عليهم حفظه . ( جمهرة اللغة 2 : 694 ) .