عباس محمود العقاد

252

أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )

الذي لا يفرّ من شيء ولا يبالي من يصيب وما يصاب ، فتولّاهم الذعر وشلّت أيديهم التي كانت خليقة أن تمتدّ إليه ، وانطلق هو يثخن فيهم قتلا وجرحا حتّى أفاقوا له من ذعرهم ومن شغلهم بضجّتهم وغيمتهم ، فلم يقووا عليه حتّى تعاون على قتله رجلان « 1 » . . فكان هذا حقّا هو الكرم والمجد في عسكر الحسين إلى الرمق الأخير . خسّة ووحشيّة وكان حقّا لا مجازا ما توخّيناه حين قلنا : إنّهما طرفان متناقضان ، وإنّها حرب بين أشرف ما في الإنسان وأوضع ما في الإنسان . فبينما كان الرجل في عسكر الحسين ينهض من بين الموتى ولا يضنّ بالرمق الأخير في سبيل إيمانه ، إذا بالآخرين يقترفون أسوأ المآثم في رأيهم - قبل رأي غيرهم - من أجل غنيمة هيّنة لا تسمن ولا تغني من جوع . فلو كان كلّ ما في عسكر الحسين ذهبا ودرّا لما أغنى عنهم شيئا وهم قرابة أربعة آلاف . . ولكنّهم ما استيقنوا بالعاقبة - قبل أن يسلم الحسين نفسه الأخير - حتّى كان همّهم إلى الأسلاب التي يطلبونها حيث وجودها ، فأهرعوا إلى النساء من بيت رسول اللّه ينازعونهنّ الحلى والثياب التي على أجسادهنّ « 2 » ، لا يزعهم عن حرمات رسول اللّه وازع من دين أو مروءة .

--> ( 1 ) هما : عروة بن بكار التغلبي ، وزيد بن ورقاء . راجع منتهى الآمال 1 : 671 . ( 2 ) الإرشاد 2 : 112 ، البداية والنهاية 8 : 188 .