عباس محمود العقاد

244

أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )

والحسين رضى اللّه عنه قد كان هو ومن معه من شباب آل علي ممّن ورث هذه القوّة البدنيّة كما ورثوا ثبات الجأش وحمية الفؤاد ، وكانوا كفؤا لمبارزة الأنداد واحدا بعد واحد حتّى يفرغ جيش عبيد اللّه من فرسانه القادرين على المبارزة ، ولا يبقى منهم غير الهمل « 1 » يتبدّدون في منازلة الشجعان كما تتبدّد السائمة المذعورة بالعراء . وكان مع الحسين نخبة من فرسان العرب كلّهم له شهرة بالشجاعة والبأس وسداد الرمي بالسهم ومضاء الضرب بالسيف ، ولن تكون صحبة الحسين غير ذلك بداهة وتقديرا لا يتوقّفان على الشهرة الذائعة والوصف المتواتر ؛ لأنّ مزاملة الحسين في مثل تلك الرحلة هي وحدها آية على الشجاعة في ملاقاة الموت وكرم النحيزة « 2 » في ملاقاة الفتنة والإغراء . . فإذا جرى القتال كلّه مبارزة بين أمثال هؤلاء ومن يبرزون لهم من جيش عبيد اللّه ، فهم كفء للمنازلة وليس أملهم في الغلب بضعيف . وقد بدأ القتال بهجوم الخيل من قبل جيش ابن زياد ، فأشرع أصحاب الحسين لها رماحهم وجثوا على الركب ينتظرونها . . فلم تقم الخيل للرماح وأوشكت أن تجفل مولّية بفرسانها « 3 » . فعدل الفريقان إلى المبارزة ، فلم يتعرّض لها أحد من جيش ابن زياد إلّا فشل أو نكص على عقبيه ، فخشي رؤوس الجيش عقبى هذه المبارزة

--> ( 1 ) الهمل : ضوال الإبل . ( لسان العرب 15 : 135 ) . ( 2 ) النحيزة : الطبيعة . ( صحاح اللغة 3 : 898 ) . ( 3 ) تاريخ أبي مخنف 1 : 468 ، الإرشاد 2 : 102 ، الكامل في التاريخ 3 : 289 .