عباس محمود العقاد
235
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
فيعزله ويعرّضه لسوء الجزاء ، ثمّ يطمع من وراء ذلك أن يتولّى قيادة الجيش وإمارة الري بعد عزل عمر بن سعد بن أبي وقّاص . فبطل التردّد شيئا فشيئا ، وتعذّر على الحسين وأصحابه - بعد الهجمة الأولى - أن يصلوا إلى الماء ، ولبثوا أياما وليس في معسكرهم ذو حياة من رجل أو امرأة أو طفل أو حيوان إلّا وهو يتلظّى على قطرة ماء فلا ينالها ، ومنهم الطفل العليل والشيخ المكدود والحيوان الأعجم ، وصياح هؤلاء الظماء من حرقة الظمأ يتوالى على مسمع الحسين ليل نهار وهو لا يملك لهم غير الوصاية بالصبر وحسن المؤاساة . وفي ذلك المأزق الفاجع نضحت طبائع اللؤم في معسكر ابن زياد بشرّ ما تنضح به طبيعة لئيمة في البنية الآدميّة . . فاقترفوا من خسّة الأذى ما تنزّه عنه الوحوش الضاريات ، وجعلوا يتلهّون ويتفكّهون بما تقشعر منه الجلود وتندى له الوجوه ، ونكاد نمسك عن تسطيره أسفا وامتعاضا لولا أنّ القليل منه جزء لا ينفصل من هذه الفاجعة ، وبيان لما يلي من وقعها في النفوس وتسلسل تراتها إلى أمد بعيد . مآثم مخزية فمن هذه المآثم المخزية أنّ الحسين برح به العطش فلم يباله . . ولكنّه رأى ولده عبد اللّه يتلوّى من ألمه وعطشه ، وقد بحّ صوته من البكاء ، فحمله على يده يهمّ أن يسقيه ويقول للقوم : « اتّقوا اللّه في الطفل إن لم تتّقوا