عباس محمود العقاد
199
أبو الشهداء الحسين بن علي ( ع )
إنّما الحكم في صواب الحسين وخطئه لأمرين لا يختلفان باختلاف الزمان وأصحاب السلطان ، وهما : البواعث النفسيّة التي تدور على طبيعة الإنسان الباقية ، والنتائج المقررة التي مثلت للعيان باتّفاق الأقوال . وبكلّ من هذين المقياسين القويين نقيس حركة الحسين في خروجه على يزيد بن معاوية ، فنقول : إنّه قد أصاب . أصاب إذا نظرنا إلى بواعثه النفسيّة التي تهيمن عليه ، ولا يتخيّل العقل أن تهيمن عليه بواعث غيرها . وأصاب إذا نظرنا إلى نتائج الحركة كلّها نظرة واسعة ، لا يستطيع أن يجادل فيها من يأخذ الأمور بسنّة الواقع والمصلحة ، أو من يأخذ الأمور بسنّة النجدة والمروءة . فما هي البواعث النفسيّة التي قامت بنفس الحسين يوم دعي في المدينة بعد موت معاوية لمبايعة ابنه يزيد ؟ هي بواعث تدعوه كلّها أن يفعل ما فعل ولا تدعو مثله إلى صنيع غير ذلك الصنيع . وخير لبني الإنسان ألف مرّة أن يكون فيهم خلق كخلق الحسين الذي أغضب يزيد بن معاوية ، من أن يكون جميع بني الإنسان على ذلك الخلق الذي يرضى به يزيد . فأوّل ما ينبغي أن نذكره لفهم البواعث النفسيّة التي خامرت نفس الحسين في تلك المحنة الأليمة : أنّ بيعة يزيد لم تكن بالبيعة المستقرّة ولا بالبيعة التي يضمن لها الدوام في تقدير صحيح .