محمد جواد مغنية
894
عقليات إسلامية
وبهذا يتبين ان من يكرم أهل الدنيا ، ويتجاهل أهل الايمان فليس من اللّه في شيء ، ولا أحد اجرأ عليه منه . وقال من شايع وتابع : نحن نتألف أبناء الدنيا لنرفع عن طريقهم مظلمة عن مظلوم ، ونحقق مصلحة للعموم . وجوابنا على ذلك : أولا : إنّا نعرف أكثر من واحد من المتزلمين للظالم بدون قيد أو شرط ، ومع ذلك لم يجلب خير الانسان ، أو يدفع ضرا عن انسان ، ولم يصلح شيئا فاسدا من مفسد ، أو يقوم اعوجاجا من منحرف ، بل ازداد سيده الطاغية فسادا يوما بعد يوم من صحبته ، بل نعرف رجلا بشخصه واسمه يتخذ من صحبة الزعماء وسيلة للدس عن الأبرياء ، ويحرض الأشرار على التنكيل بالأخيار ، ويوغر عليهم الصدور بالكذب والافتراء ، لا لشيء الا لأنهم أرادوه للدين لا للدنيا ، وللخير لا للشهوات ، أرادوه عنوانا صالحا للسلف الصالح ، وأبى الا ان يكون للطمع والجشع . ثانيا : ان صاحب الدنيا لا يحتفل بصاحب دين الا إذا اتخذ منه ومن دينه وسيلة لدعم كيانه ، ومحال ان يتقبل النصح ، حتى من الأنبياء إذا صادم هواه . . . وقد دلتنا التجارب ان المخلصين من أهل العلم والدين لا وقع لهم في هذا الزمان عند السياسيين والمتزعمين ، وانهم لا يقربون أي معمم الا إذا انسلخ عن دينه وصار من شرطتهم وجنودهم . . . وقديما قيل : « من داخل أهل الدنيا دخل معهم » . هذا إذا داخلهم بقصد الصلاح والاصلاح ، فكيف بمن تابعهم طمعا في الحطام ، ورغبة في المديح والثناء من العوام .