محمد جواد مغنية
771
عقليات إسلامية
ومن أجل هذا دعا الإسلام إلى التجاهل والتغافل عما يؤدي إلى الشغب والخصام ، وأمر باليقظة والحذر من أصحاب المصائد والمكائد الذين يسعون في الأرض الفساد ، فلا تكون حياتنا كلها تهاون وتسامح ، أو كلها تحقيق وتدقيق ، بل نتسامح مع اخواننا وجيراننا حيث يكون التسامح فضيلة ، ونغضب حيث يكون الغضب مرضاة للّه ولرسوله . قال الجاحظ : قد جمع محمد بن علي بن الحسين صلاح الدنيا بحذافيرها في كلمتين ، فقال : صلاح جميع المعايش والتعاشر مليء مكيال ، ثلثان فطنة ، وثلث تغافل . وإذا تأملنا في قول الإمام نجد الجاحظ « المجرب » على حق في قوله : ( جمع صلاح الدنيا بحذافيرها بكلمتين ) . فليست الدنيا شيء وراء التعايش والتعاشر ، وليس الحق والخير والعدل الا ان يعيش الناس عيشة ترضي اللّه ، لا نزاع فيها ولا خصام ، بل تعاون وإخاء ، ولا بد للتعاون من العلم والحزم ، وللاخاء من التساهل والتسامح . يحيط بالانسان في هذه الحياة حوادث ومؤثرات متنوعة ، فلو سار معها على وتيرة واحدة لكانت حاله كحال من يصف دواء واحد لكل داء ! . . . اما من يحذر الماكر الخدّاع ، ويتسامح مع الناس البسطاء فإنه يكون طبيبا وحكيما في جميع حالاته . قال السيد المسيح : ( كونوا حكماء كالحيات ، بسطاء كالحمام ) . ما أروع الإسلام ! . . . فإنه يعطي الدليل في كل حكم من احكامه على أنه دين الحق والحياة ، فلقد أثبت الدماء والأموال بشاهدين فقط ، ليردع المعتدين ، ويصون لكل ذي حق حقه . ولم يثبت كلمة الشحناء والبغضاء بسبعين ، بل ولا بالسمع والبصر ، ليبقى على العلاقات الطيبة بين الناس .