محمد جواد مغنية

765

عقليات إسلامية

إن التفسخ والإنحطاط الخلقي إنما يكون بالسرقة والإغتيال والرشوة والدعارة ، وهذه غالبا ما يكون سببها الفقر والعوز ، وبالعلم يمكن التغلب على عواقب الفقر وشروره . إن مصائب الناس لا يزيلها العطف والصدمات ، ولا النصائح والمواعظ ، ولا بركة المعممين والمقلنسين ، ولا سياسة المتزعمين ، وأدب المتأدبين ، وإنما يزيلها العلم ، ومن هنا قال الرسول الأعظم : « العلم رأس الخير كله » . وغريب جدا أن يتخوف الفلاسفة الاخلاقيون في هذا العصر من تقدم العلم ، ويقولون : أن ارتقاءه قد مكن للانسان قوة عجيبة جعلته يستخف بجميع القيم الأخلاقية التي حفظت المعالم المدنية ، والحضارة الإنسانية ، ويصح هذا القول إذا كان العلم محتكرا في يد الأشرار المستعمرين ، أما وقد أصبح العلم موزعا بين القوى ، والوعي الإنساني يزداد يوما فيوما فالحضارة والمدنية في حصن حصين ، وعما قريب سيقضي هذا الوعي على الذين يحاولون الانحراف بالعلم عن طريقه القويم ، لقد وجد العلم ليقضي على آلام الإنسان ، ولم يوجد الإنسان ليقضي عليه العلم . إن العلم خير ونور ، فإذا حاول منحرف أن يبتعد به عن هذه الحقيقة ، ويستعمله في الضغن والحقد فلا يتسع له المجال طويلا ، ثم يعود العلم إلى طبعه ووضعه . لذا قال عالم مجرب : طلبت العلم لغير اللّه فأبى أن يكون إلا اللّه . وبالتالي فإذا قال الرسول الأعظم : العلم رأس الخير فإنما يريد العلم الذي يلبي حاجة الحياة ، يريد العلم الذي يستجيب لرغبات الناس ، ويسهل العسير من مشاكلهم ، يريد من العلم ما أراده بقوله : ( اللّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه ) .