محمد جواد مغنية
48
عقليات إسلامية
من فكرة وجوده بلا سبب ، أي ان ألفة العقل تتطلب سببا لهذا العالم ، وأقرب الأسباب ان يكون من صنع خالق مبدع يوجه كل شيء نحو غايته الحكيمة ، وثمرته المفيدة ، أما وجوده صدفة من غير عقل ولا أخلاق ولا حقوق ولا واجبات فبعيد عن العقل كل البعد . ومن هنا نجد الذين أنكروا على الأنبياء رسالاتهم لم يجحدوا ويتنكروا لفكرة الألوهية ، بل رأيناهم يعترفون بوجود خالق الكون ، ولكنهم ينكرون ان يكون هؤلاء رسلا مبعوثين من اللّه إلى عباده . ثانيا - لقد تقدم معنا ان التجربة ليست كل المعرفة . وقد اعتقد العلماء بحقائق كثيرة ، مع أن العلم يعجز عن اثباتها بالتجربة ، نذكر منها المثال التالي : قال العلماء : ان كمية القوة الموجودة في الكون ثابتة لا تزيد ولا تنقص ، لأنها إذا لم تكن كذلك أصبحت جميع المقاييس والنظريات باطلة ، حيث لا يمكن ضبطها واستمرارها على نهج واحد ، بل تتغير بين حين وحين تبعا لزيادة القوة ونقصانها ، مع أن لدينا مقاييس علمية تضبط الحقائق بكل دقة . هذا مع العلم بأن مبدأ بقاء القوة كما هي لا يمكن اثباته بطريق التجربة ، لأن العلماء مجتمعين لا يستطيعون ان يطلعوا على جميع ما في الكون من قوى ، ثم يتأكدوا بأنها ثابتة راسخة مدى الدهور والعصور . إذن ليس من الضروري لنؤمن بشيء ان نراه رأي العين ، فقد نؤمن بما نراه استنتاجا واستنباطا من المعقولات ايماننا بأنفسنا ، كالمثال المذكور ، وقد لا نؤمن بما نراه رأي العين احتراسا من خداع العيون . ولو حصرنا أسباب المعرفة بالتجربة فقط لتهدمت معارفنا أو أكثرها من الأساس .