محمد جواد مغنية
16
عقليات إسلامية
ويرد هذا القول أولا : ان التجربة تختص بحادثة جزئية ، ولا يمكن أن تثبت بها قاعدة كلية عامة ، هذا مضافا إلى انها لن تكون حقيقية مئة بالمئة ، فقد يجزم العالم بحقيقة ما عن طريق التجربة ، ثم تظهر له حادثة أخرى يستكشف منها ان التجربة الأولى كانت خاطئة وغير صالحة لتفسير ما كان يفسره بها من الحوادث ، فهذا اينشتين زعم « ان أقصر الخطوط هو الخط المنحني ، وان الضوء يسير على خط غير مستقيم ، ثم اتفق ان رصد ثانية بآلات أحدث وأتقن فتبين له ان أقصر الخطوط الخط المستقيم ، وان الضوء يسير عليه لا على خط منحني » . ثانيا : ليس من شك ان للتجربة مزايا لا توجد في غيرها ، وانه كان لها وما زال الفضل الأول في تقدم العلوم ، ولكن ليس معنى هذا ان التجربة هي كل المعرفة ، وان غيرها ليس بشيء لأن العالم لا يمكنه اجراء تجاربه في جميع الموضوعات التي تعرض له ، طبيعية كانت أو غير طبيعية ، فقد يعتمد على الملاحظة وحدها ، كما هي الحال في علم الفلك ، وعلم الحياة ، حيث لا يستطيع الانسان أن يجري أية تجربة على حركات الأفلاك ، كما أنه لا يستطيع أن يخلق الحياة ، أو يعيدها بعد الموت . لذا يقتصر في علم الفلك وعلم الحياة على المشاهدة والملاحظة فقط ، كما هي الحال في الأمور العقلية المجردة عن المادة والعالم المحسوس ، حيث لا مجال للتجربة ولا للمشاهدة ولا أي شيء سوى العقل ومنطقه السليم واستنتاجاته الصحيحة ، وانما تصح وتصدق هذه الاستنتاجات إذا كانت مقدماتها صادقة لم يكذبها العيان والتجربة ولا تستلزم شيئا من المحالات العقلية . ولو أسقطنا العقل عن الاعتبار فهل يبقى الانسان على انسانيته ؟ ! وبماذا نميزه عن الحيوانات والحشرات . ونعرف الصحيح من الفاسد ، والخير من