محمد جواد مغنية
22
الاسلام والعقل
الأسفار الطوال في البراهين القاطعة على وجوده ، ودفعوا عنها كل شبهة ، حتى أصبحت كالشمس في رائعة النهار . فإلى هؤلاء وحدهم يجب أن نرجع في معرفة الفكرة عن اللّه ، وأن ندرس أقوالهم ، ونحاكمها بتجرد واخلاص . أما أن نجحد ونعاند دون أن نستمع إلى أرباب العقول من ذوي الاختصاص فقد جادلنا بغير علم ولا هدى . وبالتالي ، فإذا بحثنا عن نواحي الطبيعة وحدها وتركنا البحث عما بعدها لظلت فكرة الألوهية دون حل ، وتصوراتنا عما يتعلق بها دون امتحان ، لأنها لا تعلل بالمادة ، ولا تطرح على بساط البحث في المصانع والمختبرات ، ولا يسأل عنها رجال السياسة أو علماء الأخلاق والاجتماع . إذن لا بد من الرجوع إلى علم ما بعد الطبيعة الذي يبحث عن واجب الوجود وامتناعه وامكانه ، وواجب الوجود هو ما اقتضت ذاته وجوده بالضرورة ، وألزم العقل بافتراض وجودها على كل حال وان عجز العلم عن اثباته بالطرق الموضوعية . وممتنع الوجود على العكس ، أي ما اقتضت ذاته امتناع وجوده ، وأحال العقل افتراض وجودها ، أما الممكن فهو ما خلا من هذا الاقتضاء ، ولم يحكم العقل لا بضرورة الوجود ، ولا بضرورة العدم فيحتمل أن يكون موجودا ، كما يحتمل أن لا يكون له وجود . ومن الخير أن نشير إلى أن الفلاسفة يلتقون هنا مع رجال الدين ، لأن كلا من الفريقين يتطلع إلى ما وراء الطبيعة ، والفرق بينهما ان الفلاسفة يعتمدون على العقل وحده ، ورجال الدين يعتمدون على الوحي والعقل ، لأنهم يعتقدون أن العقل إذا استقل في معرفة وجود الخالق وصفاته ، وارسال الرسل وما اليه فإنه محتاج إلى معونة خارجية لإدراك كثير من المسائل .