محمد جواد مغنية

16

الاسلام والعقل

تسمعه أو تراة تحكم بأنه موجود وحقيقة واقعة ، وما عدا ذاك يجب أن تقف منه موقفا سلبيا . ولكن الحواس كثيرا ما تخدعنا ، فالنسيج الذي تشتريه ترى لونه في الدكان غير لونه في ضوء الشمس والهواء الطلق ، وهذه المنضدة تبدو لك مستديرة ، وأنت قريب منها ، ولا تبدو كذلك إذا ابتعدت عنها ، وهذه المرأة جميلة في نظرك ، قبيحة في نظر من تنافسها وتزاحمها ، وهذا الطعام تستطيبه ، وأنت جائع ، ولا تستطيبه وأنت شبعان ، وكذلك الحال بالنسبة إلى الرائحة والسمع يختلفان باختلاف الأشخاص ، وكذلك بالنسبة إلى الحرارة والبرودة : ضع احدى يديك في ماء حار ، والأخرى في ماء بارد ، ثم ضعهما بعد ذلك في ماء فاتر ، فيبدو هذا الماء باردا بالنسبة لاحدى يديك ، وحارا بالنسبة للأخرى . ان المعاني والحقائق أكثر مما يرى ويسمع ومما يؤكل ويشم ويلمس . فكما نعرف كثيرا من الأمور بواسطة الحواس معرفة مباشرة كذلك نتوصل إلى معرفة أمور أخرى بصورة غير مباشرة عن طريق الاستنتاج . قال أفلاطون : إذا كانت الحقيقة لا تثبت إلا بالحواس الظاهر فيجب أن يكون القرد والفيلسوف الحكيم سواء بسواء ! لأنهما يشتركان في هذه الاحساسات . الملاحظة والتجربة : وقال آخرون : ان أسباب المعرفة والكشف عن الحقيقة لا تنحصر بهذه الحواس الخمس ، بل تشمل الملاحظة والتجربة ، والمراد بالملاحظة مشاهدة الأشياء على ما هي عليه في الطبيعة ، كملاحظة النجوم وغيرها من الأجرام السماوية دون أن تمسها يد التجربة ، أما التجربة فهي مشاهدة الأشياء في ظروف خاصة يهيئها العالم ، ويتصرف بها حسب ارادته ، ويرتبها بآلاته العلمية الدقيقة . وكل تجربة تستتبع الملاحظة ، ولا عكس .