محمد جواد مغنية
69
في ظلال الصحيفة السجادية
بذنب دون ذنب ، أو بزمان دون زمان ، فقد قبلها سبحانه من آدم ، ويونس ، وقومه وغيرهم ، وكان كلّ نبي يخاطب قومه بقوله : توبوا إلى اللّه ، أطيعوا اللّه يغفر لكم ذنوبكم . أجل إنّ اللّه سبحانه خفف عن أمة محمّد صلّى اللّه عليه واله الكثير من القيود الّتي فرضت على بعض الأمم السّابقة كما تشير الآية : رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا « 1 » ، ومن ذلك أنّ اللّه سبحانه لم يقبل التّوبة من بني إسرائيل بعد أن اتخذو العجل ربا إلا أن يقتل بعضهم بعضا : وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ « 2 » . ( ولم يدع لأحد منّا حجّة ولا عذرا ) حيث وهبنا سبحانه العقل ، والقدرة ، والإرادة ، وكلفنا باليسير ، ووضع عنا ما لا نطيق . . . وبالعقل نميز ، وبالإرادة نختار ، وبالقدرة نفعل علما بأنّه تعالى لا يأمر إلا بخير ، ولا ينهي إلا عن شر ، ومعنى هذا أنّه تعالى أعذر إلى عباده بكلّ حجّة ليهلك من هلك عن بينة ، وينجو من نجا عن بينة ( فالهالك منّا من هلك عليه ) المراد بالهالك هنا المجرم الهاوي في نار جهنّم بعد أن يعرض على اللّه لنقاش الحساب ، قال الإمام عليّ عليه السّلام : « الغنى ، والفقر بعد العرض على اللّه » « 3 » . وعليه يكون المعنى ليس هلاك المرء بما يعانيه من مصائب الدّنيا ، ولا نجاته بسلامته من آفاتها ، وإنّما الهلاك ، والنّجاة بعد العرض على اللّه يوم القيامة ، فمن هلك في ذلك اليوم فهو الهالك حقا ، وواقعا ( والسّعيد منّا من رغب إليه ) أي من خصه بالرغبة ، والتّضرّع ، والسّؤال ، وعوّل عليه وحده في جميع
--> ( 1 ) البقرة : 286 . ( 2 ) البقرة : 54 . ( 3 ) انظر ، نهج البلاغة : 4 / 104 الحكمة ( 452 ) ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد : 20 / 152 ، شرح أصول الكافي : 1 / 163 و 244 .