محمد جواد مغنية

567

في ظلال الصحيفة السجادية

وهكذا الثّاني ، والثّالث . . . وقد اختار الأوّل من المئة محمّدا صلّى اللّه عليه واله ، ويدلنا هذا - كما قال بهاء الدّين - أنّ المؤلف على درجة عالية من التّجرد 2 ، وعدم الإنحياز ، لأنّه مسيحي علما بأنّه جعل السّيد المسيح عليه السّلام في الرّقم الثّالث ، وموسى الكليم عليه السّلام في الرّقم السّادس عشر ، وبرر المؤلف المسيحي اختياره محمّدا للأوّلية بقوله : « إنّ اختياري محمّدا ليكون الأوّل في قائمة أهم رجال التّأريخ قد يدهش القراء . لكنه الرّجل الوحيد في التّأريخ كلّه الّذي نجح أعلى نجاح على المستويين : الدّيني ، والدّنيوي . فهناك رسل ، وحكماء بدأوا رسالات عظيمة ، ولكنهم ماتوا دون إتمامها كالمسيح في المسيحية . . . ، أو شاركهم فيها غيرهم ، أو سبقهم فيها غيرهم ، أو سبقهم إليها سواهم كموسى في اليهودية ، ولكن محمّدا هو الوحيد الّذي رسالته الدّينية كاملة ، وتحددت كلّ أحكامها ، وآمنت بها شعوب بأسرها في حياته ؛ لأنّه أقام إلى جانب الدّين دولة جديدة ، ووحّد القبائل في شعب ، والشّعوب في أمّة ، ووضع لها كلّ أسس حياتها ، ورسم أمور دنياها ، ووضعها في موضع الانطلاق إلى العالم . . . أيضا في حياته » . ثمّ يضيف المؤلف المسيحي إلى ذلك : « إنّ معظم الّذين غيروا التّأريخ ظهورا في قلب أحد المراكز الحضارية في العالم . . . ولكن محمّدا هو الوحيد الّذي نشأ في بقعة من صحراء جرداء مجردة تماما من كلّ مقومات الحضارة ، والتّقدم ، ولكنه جعل من البدو البسطاء المتحاربين قوة معنوية هائلة قهرت بعد ذلك إمبرطوريات فارس ، وبيزنطية ، وروما المتقدمة بما لا يقاس . وفي تأريخ الغزو في كلّ زمان ، ومكان يكون الغزو عسكريا ، ولكن الرّسالة المحمدية جعلت معظم البلاد الّتي فتحها خلفاؤه عربا تماما ، وتغيرت لغة ، ودينا ، وقومية . . . وثبّت ذلك واستقر بما