محمد جواد مغنية
521
في ظلال الصحيفة السجادية
في نهج البلاغة : « أيّها النّاس ، إنّما أنتم في هذه الدّنيا غرض تنتضل فيه المنايا مع كلّ جرعة شرق ، وفي كلّ أكلة غصص . . . » « 1 » إنّ اللّه سبحانه يتجلى لعباده في كتابه ومثله عن الإمام الصّادق عليه السّلام ، ولكن لكتاب اللّه أسرار ، وأهداف لا يعلمها إلا الّذين يعرفون اللّه ، ويقدرونه حقّ قدره كالنبي ، وآله صلّى اللّه عليه واله . وفي هذا الدّعاء يكشف الإمام عليه السّلام بأسلوب المناجاة عن بعض هذه الأسرار ، ونعني بها بعض وسائل الإقناع الّتي استخدمها سبحانه ، وخاطب بها العباد لجذبهم إليه ، واستمالتهم إلى دينه ، وشريعته ، والتّخلي عن سائر الأديان ، والمعتقدات الزّائفة الباطلة . وإليك الشّرح ، والتّفسير لما كشف عنه الإمام عليه السّلام في هذا الدّعاء : التّجارة الرّابحة ( وأنت الّذي زدت في السّوم . . . ) الخطاب مع اللّه سبحانه ، والسّوم من البائع عرض السّلعة مع تحديد الّثمن ، ومن المشتري طلب الشّراء بما يريد من الّثمن ، ومعنى هذه الكلمات المشرقة بجملتها أنّ اللّه يطلب من عباده أن يؤمنوا به ، ويعملوا بدينه ، وشريعته ، كما يطلب التّاجر من النّاس أن يشتروا ما لديه من سلعة ، ومتاع . وأيضا التّاجر يستميل المستهلك بالإعلام ، والدّعاية ، واللّه سبحانه ينشر دعوته ، ويتصدى لأعدائها ، بالحكمة ، والموعظة الحسنة كما في الآية : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ « 2 » ، وقال سبحانه لموسى ، وهارون حين أرسلهما إلى فروعون : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى « 3 » ، وفي الخطاب الّذي وجه إلى رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه واله ، كما جاء
--> ( 1 ) انظر ، نهج البلاغة : 2 / 28 و : 4 / 44 ، شرح نهج البلاغة : 9 / 91 ، كشف الغمة : 1 / 171 ، بحار الأنوار : 75 / 4 . ( 2 ) النّحل : 125 . ( 3 ) طه : 44 .