محمد جواد مغنية
200
في ظلال الصحيفة السجادية
وأعضاء ، والإمام عليه السّلام يدعو اللّه سبحانه أن يوفقه للعمل في هذه السّبيل . وتسأل : لقد اكتشف الإنسان ، واخترع ، وفعل الكثير . . . سخر السّماء ، وأجواءها ، وسبر البحار ، وأعماقها ، واستغل الأرض ، وخيراتها ، ولكن كيف استغلت هذه الخيرات ، والمخترعات ؟ وإلى أي شيء تحولت ؟ إلى الشّرور ، والآثام ، والحروب ، وأدواتها الجهنمية ! وهذا هو تأريخ الإنسان من لدن قابيل ، وهابيل حتّى الآن ، كلّه دماء ، وجرائم ، وإرهاب ، ومظالم ، وعليه فإن أراد الإمام عليه السّلام بدعائه هذا نفسه بالخصوص فلا كلام ، وإن أراد كلّ النّفوس - كما هو شأنه - فقد رغب في غير مطمع . الجواب : ما من شيء - ما عدا خالق الأشياء ، ومالكها - إلا وفيه جانبان : سلب ، وإيجاب ، ومن يركز على جانب السّلب فقط ، أو جانب الشّرّ فقط فقد إنحاز إلى جانب ، وتجاهل الآخر ، ومعنى هذا أنّ الحياة فيها خير ، وشر ، وأنهما في صراع دائم ، فتارة تكون لأنصار الخير ، وتارة لأنصار الشّرّ ، وحينا لا غالب ، ولا مغلوب . وهكذا دواليك ، وليس لأحدهما غلبة دائمة وإلا كانت الحياة لذة بغير ألم ، أو ألما بغير لذة . والإمام عليه السّلام يسأل اللّه سبحانه أن يجعله ، وكلّ النّاس من أعوان الخير ، وأنصاره . ( أللّهمّ وإن كانت الخيرة لي عندك في تأخير الأخذ . . . ) جواب « إن » محذوف ، والمعنى الّذي يريده الإمام عليه السّلام أنّه بعد أن رفع شكواه إلى اللّه تعالى من ظالمه راغبا إليه في عقابه على ظلمه - قال له : « إن كان لي أن أختار تأخير عقابه إلى يوم تجمع فيه الخصوم للحساب ، والجزاء ، فذاك ما أبغي ، على أن تمدني بنيّة خالصة لوجهك الكريم ، وصبر على طاعتك ( وأعذني من سوء الرّغبة ) احفظني ، واصرفني عن كلّ هوى ، وميل لا يرضيك عنّي ( وهلع أهل الحرص ) الهلع : الجزع ، وأهل الحرص هم