محمد جواد مغنية
133
في ظلال الصحيفة السجادية
إلّا أن يجري الأمور على أسبابها ، وقد جبلت القلوب على حبّ الإحسان ، وكراهية الإساءة ، وهل من أحد يطاع لو أمر آخر بحبّ من أساء إليه ، أو بمقت من أحسن إليه ؟ وقد دانت القلوب بحبّ محمّد ؛ لأنّه رحمة مهداة لكلّ النّاس ، وبهذه الرّحمة ، وذاك الحبّ ألف سبحانه بين القلوب المتنافرة على الإخلاص للإسلام ، والإيمان بنبوة محمّد ، وقيادته . ولكن محمّدا صلّى اللّه عليه واله ظل بعد القيادة كما كان قبلها عبدا للّه يدين نفسه بما يدين به أصغر أتباعه ، كان هو ، والصّحابة في بعض الأسفار ، ولما حان موعد الطّعام عزموا على ذبح شاة ، فقال رجل من القوم : عليّ ذبحها ، وقال آخر : عليّ سلخها . وقال الآخر : عليّ طبخها ، فقال النّبي صلّى اللّه عليه واله : عليّ أن ألتقط لكم الحطب ، فقالوا : يا رسول اللّه ! لا تتبعن - بآبائنا وامّهاتنا - نحن نكفيك ؟ قال : عرفت أنّكم تكفوني ، ولكن اللّه عزّ وجلّ يكره من عبده إذا كان مع أصحابه أن ينفرد من بينهم ، فقام صلّى اللّه عليه واله يلتقط الحطب لهم « 1 » . وكان الصّحابة يوم بدر يتعاقب كلّ ثلاثة منهم على بعير ، وكان النّبيّ ، وعليّ ، وأبو لبابة يتناوبون على بعير ، فقالا : نحن نمشي عنك يا رسول اللّه . فقال : « ما أنتما بأقوى منّي ، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما » « 2 » . محمّد صلّى اللّه عليه واله سيّد الكونين يجعل من نفسه قدوة في المساواة مع كلّ النّاس لا في التّكليف ، والواجبات وكفى ، بل وفيه الحاجة إلى الأجر ، والثّواب عند اللّه أيضا !
--> ( 1 ) انظر ، مكارم الأخلاق للطبرسي : 251 ، بحار الأنوار : 76 / 273 ح 31 ، سبل الهدى والرّشاد : 7 / 13 . ( 2 ) انظر ، بغية الباحث للحارث بن أبي اسامة : 215 ، مسند أبي يعلى : 9 / 243 ، صحيح ابن حبان : 11 / 35 ح 4733 ، مورد الظّمآن للهيثمي : 409 ، البداية والنّهاية : 3 / 319 ، دلائل البيهقي : 3 / 39 ، تحفة الأشراف للمزي : 7 / 26 ، الحاكم في المستدرك : 3 / 20 ، سبل الهدى والرّشاد : 4 / 24 .