محمد جواد مغنية
122
في ظلال الصحيفة السجادية
الرّوح ، ومن أجل الجسد ، أمتاز الإسلام عن غيره من الأديان . . . على أنّه لم يأت بجديد سوى تقرير الواقع ، والكشف عنه ؛ لأنّ الإنسان ليس ملاكا ، ولا حيوانا ، بل بين بين ، وقد أولى الإسلام اهتمامه بهما ، والعمل لهما تبعا للنظام الإنساني الطّبيعي ، وكلّ دين ، أو مذهب ، أو نظام لا يراعي التّوازن بين الرّوح ، والجسد - فهو مناقض لطبيعة الحياة ، وقوانينها . وقال كاتب معاصر : « إنّ اللّه لا يأمر بالرهبنة ، ولا بالفرار من الدّنيا ؛ لأنّه يأمر بتحطيم ما بناه » « 1 » ، وأيضا يصدق هذا على العمل للجسد ، والدّنيا فقط ؛ لأنّه تعالى بنى الإنسان من جسد ، وروح ، وبنى له عالمين يحيا فيهما : دنيا ، وآخرة ، وهو لا يأمر بتحطيم هذه كما لا يأمر بتحطيم تلك ( ويبلو أخبارهم . . . ) اللّه سبحانه يعلم ما كان ويكون من عبده ما لا يعلمه العبد من نفسه ، ومع هذا يعامله معاملة المختبر له بالأمر والنّهي ، ليظهر للعيان عمله الّذي يستحق عليه الثّواب ، والعقاب ، ويأخذه بالحجة القاطعة ، كما هو شأن الحاكم العادل ، وفي الآية : وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ « 2 » ، و لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى « 3 » .
--> - لابن أبي الحديد : 1 / 312 ، رجال الكشي : 349 ، طبعة النّجف الأشرف ، البداية والنّهاية : 8 / 9 ، فيض القدير شرح الجامع الصّغير : 5 / 463 ، كشف الخفاء : 2 / 169 ، تأريخ دمشق : 65 / 197 ، الإمام جعفر الصّادق عليه السّلام لعبد الحليم الجندي : 347 . ( 1 ) قال ابن الأثير وغيره في الحديث « لا رهبانية في الإسلام » هي رهبنة النّصارى . وأصلها من الرّهبة : الخوف ، كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدّنيا ، وترك ملاذها ، والزّهد فيها ، والعزلة عن أهلها ، وتعمد مشاقها ، حتّى أنّ منهم من كان يخصي نفسه ، ويضع السّلسلة في عنقه . . . » . انظر ، النّهاية في غريب الحديث : 2 / 280 ، البداية والنّهاية : 2 / 179 ، فتح الباري : 9 / 91 ، سبل الهدى والرّشاد : 1 / 503 ، كشف الخفاء : 2 / 337 . ( 2 ) محمّد : 31 . ( 3 ) النّجم : 31 .