السيد كمال الحيدري
56
شرح نهايه الحكمه ( العقل والعاقل والمعقول )
2 - انقسامه الأولى إلى حضوري وحصولى فنقول : قد تقدّمَ في بحث الوجودِ الذهنىِّ أن لنا علماً بالأشياءِ الخارجة عنّا في الجملة ، بمعنى أنها تحضرُ عندنا بماهياتِها بعينِها ، لا بوجوداتها الخارجية التي تترتّب عليها آثارُها الخارجية . فهذا قسمٌ من العلم ، ويسمَّى : ( علماً حصولياً ) . ومن العلم أيضاً : علمُ الواحدِ منّا بذاته التي يشيرُ إليها ، ويعبَّرُ عنها ب ( أنا ) ، فإنه لا يلهو عن نفسه ، ولا يغفلُ عن مشاهدةِ ذاتِه ، وإن فُرِضَتْ غفلتُه عن بدنِه ، وأجزائِه ، وأعضائِه . وليس علمُه هذا بذاته بحضورِ ماهيةِ ذاتهِ عندَ ذاته ، حضوراً مفهومياً ، وعلماً حصولياً ؛ لأنَّ المفهومَ الحاضرَ في الذهنِ ، كيفما فُرِضَ ، لا يأبَى بالنظر إلى نفسِه الصدقَ على كثيرين ، وإنما يتشخَّصُ بالوجودِ الخارجىّ ، وهذا الذي يشاهدُه من نفسِه ، ويعبّرُ عنه ب ( أنا ) ، أمرٌ شخصىٌّ بذاتِه ، غيرُ قابلٍ للشركةِ بين كثيرينَ . وقد تحقَّقَ أنَّ التشخُّصَ بالوجود ، فعلمُنا بذاتِنا إنما هو بحضورِها لنا ، بوجودها الخارجىِّ ، الذي هو عينُ وجودِنا الشخصىّ ، المترتبِ عليه الآثار . وأيضاً : لو كان الحاضرُ لذواتِنا عندَ علمِنا بها هو ماهيةَ ذواتِنا ، دونَ وجودِها ، والحالُ أنَّ لوجودنا ماهيةً قائمةً به ، كان لوجودٍ واحدٍ ماهيتانِ موجودتانِ به ، وهو اجتماعُ المثلين ، وهو محالٌ . فإذَنْ علمُنا بذواتِنا بحضورِها لنا ، وعدم غيبِتها عنّا ، بوجودِها الخارجي ، لا بماهيتِها فقط ، وهذا قسمٌ آخرُ مِنَ العلمِ ، ويسمَّى : ( العلمَ الحضوري ) . وانقسامُ العلم إلى القسمين قسمةٌ حاصرةٌ ، فحضورُ المعلومِ للعالمِ إما ( بماهيّتِه ) ، وهو : ( العلمُ الحصولي ) . أو ( بوجودِه ) ، وهو : ( العلمُ الحضوري ) . هذا ما يؤدى إليه النظرُ البَدوِىُّ ، مِن انقسامِ العلمِ إلى الحصولىَّ والحضورىّ . والذي يهدى إليه النظرُ العميقُ : أنَّ الحصولىَّ منه أيضاً ينتهى إلى علمٍ حضورىّ .