السيد كمال الحيدري

74

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

علله عند تحقّقه وتلبّسه بالوجود الخارجي في ضوء الأسباب والأدوات الموجودة . وهذا هو المعنى العرفي للقدر والتقدير . القدر في الاصطلاح الفلسفي انطلق المصنّف في بيان القدر الفلسفي من تحليل المعنى الصناعي الذي هو عبارة عن حدود الشيء وكمّيته وصفاته وآثاره من الطول والعرض وسائر الخصوصيّات . وقد أخذ المصنّف في بيان المعنى الفلسفي للقدر من خلال بعض الأمثلة الصناعيّة من قبيل الخيّاط الذي يقدّر ما يريد أن يخيطه أوّلًا ثمّ يفصّله في ضوء ذلك المقدار ، وكذلك البنّاء مثلًا فإنّه يقدّر في ذهنه ما يريد أن يبنيه على الأرض على حسب ما توفّر له من الأسباب والأدوات الموجودة لديه ثمّ يقوم بعمليّة البناء على حسب ما قدّر . من هنا يتّضح أنّ التقدير كالقالب الذي يوضع فيه الشيء ويتحدّد به ولا يتعدّاه . وإذا أخذنا هذا المعنى الصناعي للتقدير والقدر وطبّقناه على المعنى الحقيقي ، نجد أنّه ينطبق على الحدود التي تلحق بالموجودات المادّية من ناحية عللها الناقصة ، بمعنى أنّ الواجب تعالى يعلم بحدود ومقدار وخصوصيّات كلّ شيء قبل أن يخلق الأشياء ، فإذا وجدت هذه الخصوصيّات لذلك الشيء تحقّق في الواقع الخارجي ، وإلّا لم يتحقّق ، ومن الواضح أنّ تحديد خصوصيّات الأشياء من الطول والعرض والحدّ والكمّيّة ونحوها من الخصوصيّات إنّما يكون في عالم المثال المجرّد من المادّة والماديّات وآثارها من الحركة والخروج من القوّة إلى الفعل ، ولا يكون تحديد خصوصيّات الأشياء في نشأة عالم العقل لأنّها مجرّدة من المادّة وآثارها ، فلا يوجد حدود للأشياء من الطول والعرض في عالم العقل ، وعلى هذا يكون التقدير في مرتبة من مراتب علمه تعالى وهو العلم الفعلي في عالم المثال .