السيد كمال الحيدري

53

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

ذكَروا أنَّ مِن مراتبِ علمِه تعالى ، العنايةَ والقضاءَ والقدرَ ، لصدقِ كلٍّ منها بمفهومِه الخاصِّ على خصوصيّةٍ مِن خصوصيّاتِ علمِه تعالى . أمّا العنايةُ وهي كونُ الصورةِ العلميّةِ علّةً موجِبةً للمعلوم الذي هو الفعلُ فإنّ علمَه التفصيليَّ بالأشياءِ وهو عينُ ذاتِه ، علّةٌ لوجودِها بما لهُ من الخصوصيّاتِ المعلومةِ ، فلَه تعالى عنايةٌ بخلقِه . وأمَّا القضاءُ ، فهو بمفهومِه المعروفِ جعلُ النسبةِ التي بينَ موضوعٍ ومحمولِه ضروريّةً موجَبةً . فقولُ القاضي مثلًا في قضائِه فيما إذا تخاصمَ زيدٌ وعمرٌو في مالٍ أو حقٍّ ورفعا إليه الخصومةَ والنزاعَ وألقيَا إليه حجّتَهما : « المالُ لزيدٍ أو الحقُّ لعمرٍو » ، إثباتُ المالكيّةِ لزيدٍ أو إثباتُ الحقِّ لعمروٍ إثباتاً ضروريّاً يرتفعُ به التزلزلُ والتردّدُ الذي أوجدَه التخاصمُ والنزاعُ قبلَ القضاءِ وفصلِ الخصومةِ . وبالجملةِ قضاءُ القاضي إيجابُه الأمرَ إيجاباً علميّاً يتبعُه إيجابُه الخارجيُّ اعتباراً . وإذا أُخِذَ هذا المعنى حقيقيّاً بالتحليلِ غيرَ اعتباريٍّ ، انطبقَ على الوجوبِ الذي يتلبّسُ به الموجوداتُ الممكنةُ من حيثُ نسبتِها إلى عللِها التامَّةِ ، فإنَّ الشيءَ ما لم يجبْ لم يوجَدْ . وهذا الوجوبُ الغيريُّ من حيثُ نسبتِه إلى العلّةِ التامّةِ إيجابٌ ، ولا شيءَ في سلسلةِ الوجودِ الإمكانيِّ إلّا وهو واجبٌ موجَبٌ بالغير ، والعللُ تنتهي إلى الواجبِ بالذاتِ ، فهو العلّةُ الموجِبةُ لها ولمعلولاتِها .