السيد كمال الحيدري
36
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
لأنّه عالم بذاته لذاته وأسمائه وصفاته ، وتلك الصور العقليّة من حيث إنّها عين الذات المتجلّية بتعيّن خاصّ ونسبة معيّنة هي المسمّاة ب ( الأعيان الثابتة ) سواء كانت كلّية أو جزئيّة في اصطلاح أهل الله . وتسمّى كليّاتها ب ( الماهيّات والحقائق ) وجزئيّاتها ب ( الهويّات ) عند أهل النظر . فالماهيّات هي الصور الكلّية الأسمائيّة ، المتعيّنة في الحضرة العلميّة تعيّناً أوّليّاً . وتلك الصور فائضة عن الذات الإلهيّة بالفيض الأقدس والتجلّي الأوّل ، بواسطة الحبّ الذاتي ، وطلب مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلّا هو ظهورها وكمالها . فإنّ الفيض الإلهي ينقسم بالفيض الأقدس والفيض المقدّس . وبالأوّل : تحصل الأعيان الثابتة واستعداداتها الأصليّة في العلم . وبالثاني : تحصل تلك الأعيان في الخارج مع لوازمها وتوابعها » « 1 » . في ضوء ما تقدّم قالوا : إنّ علم الحقّ بالأشياء قبل الإيجاد تفصيلًا ، إنّما هو من خلال تعلّق علمه بهذه الأعيان الثابتة ثبوتاً علميّاً لا عينيّاً . تحصّل إلى هنا أنّ هناك نقطة اشتراك بين نظريّة المعتزلة ونظريّة العرفاء ، ونقطة اختلاف . أمّا نقطة الاشتراك فإنّهما تلتقيان عند إيمانهما معاً ، بأنّ للماهيّات الإمكانيّة ثبوتاً قبل الإيجاد وإن لم تكن موجودة بوجودها الخاصّ بها ، إلّا أنّ لها ثبوتاً . بيدَ أنّهما يفترقان في تحديد طبيعة هذا الثبوت ، إذ يذهب المعتزلة إلى أنّ هذا الثبوت عينيّ ، بينما يذهب العرفاء إلى أنّه ثبوت علميّ . وهذا ما أشار إليه المصنّف في المتن حيث قال : « التاسع : قول المعتزلة : إنّ للماهيّات ثبوتاً عينيّاً في العدم ، وهو الذي تعلّق به علمه تعالى قبل الإيجاد » ، ثمّ قال : « العاشر : ما نسب إلى الصوفيّة أنّ للماهيّات ثبوتاً علميّاً بتبع الأسماء والصفات ، هو الذي تعلّق به علمه تعالى قبل الإيجاد » .
--> ( 1 ) شرح فصوص الحكم ، مصدر سابق : ج 1 ص 81 .