السيد كمال الحيدري
26
شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )
وتقدّم العقل الثاني على الثالث وهكذا ، وهذا هو قول المشائين المسمّى عندهم بالعلم العنائي أو الفاعل العنائي . وقد تقدّم في مبحث الفاعل أنّ من أقسام الفاعل هو الفاعل بالعناية وهو الذي يكون له علمٌ سابق على الفعل زائد على الذات ، وهو المنشأ لصدور الفعل ؛ قال المصنّف : « الفاعل بالعناية ، وهو الذي له علمٌ سابق على الفعل ، زائد على ذاته ، نفس الصورة العلميّة منشأ لصدور الفعل من غير داعٍ زائد ، كالإنسان الواقف على جذع عالٍ ، فإنّه بمجرّد توهّم السقوط يسقط على الأرض ، وكالواجب تعالى في إيجاده الأشياء عند المشائين » « 1 » ، فنفس العلم يكون منشأً لصدور الفعل الخارجي دون تخلّل الإرادة بين العلم والفعل الخارجي ، وعلى هذا الأساس فسّر المشّاؤون الإرادة بأنّها : العلم بالنظام الأصلح ، أي أنّ الإرادة ليست صفة مستقلّة قِبال العلم ، وإنّما ترجع إلى العلم كما سيأتي تفصيله في مبحث الإرادة . قال صدر المتألّهين : « المستفاد من كلام الشيخ في أكثر كتبه هو : أنّ الصور المعقولة قد تستفاد عن الصور الموجودة في الخارج كما تستفاد من السماء وهيأتها وأشكالها الخارجيّة بالحسّ والرصد صورتها العقليّة ، وقد لا تكون الصورة المعقولة مأخوذة من المحسوسة ، بل ربما يكون الأمر بالعكس ، كصورة بيت أنشأه البنّاء أوّلًا في ذهنه بقوّة خياليّة ، ثمّ تصير تلك الصورة محرّكة لأعضائه إلى أن يوجدها في الخارج ، فليست تلك الصورة وجودها العلمي مأخوذاً من وجودها الخارجي ، بل وجودها الخارجي تابع لوجودها العلمي . وقد مرَّ في مباحث الكيفيّات النفسانيّة من الفلسفة الأولى ، أنّ جنس العلم الذي من جملة أقسامها وأجناسها منقسم إلى فعلي وانفعالي . والفعلي منه ما يكون سبباً لوجود المعلوم في الخارج ، والانفعالي بعكس ذلك ، سواء كانت السببيّة سببيّة تامّة استقلاليّة أوْ لا ، فعلم صانع البيت بالبيت الذي يريد
--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق : الفصل السابع من المرحلة الثامنة ، ص 173 .