السيد كمال الحيدري

104

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

الأصلح ، رجع تعريفهم للقدرة إلى تعريفنا لها ، حيث إنّنا قلنا إنّ القدرة تتضمّن قيوداً ثلاثة هي : المبدئيّة للفعل والعلم والاختيار ، وهذا ما يؤول إليه تعريف الحكماء للقدرة أيضاً ؛ ببيان : أنّهم دلّوا على مبدئيّة الفعل بقوله : « فعل » وعلى العلم بقولهم « شاء » فإنّ المشيئة وإن كانت هي الإرادة ، إلّا أنّهم فسّروا الإرادة بالعلم بالنظام الأصلح ، مضافاً إلى أنّ العلم أيضاً يلازم الاختيار كما سيأتي من المصنّف لاحقاً « وليس هناك إلّا العلم وما يلزمه من الاختيار » . وبهذا يتّضح أنّ تفسير الفلاسفة للقدرة يرجع إلى ما ذكرناه من أنّ قيود وعناصر القدرة هي المبدئيّة والعلم والاختيار . ولكن بعد تطويلهم للمسافة لأنّهم قالوا المشيئة بمعنى الإرادة والإرادة بمعنى العلم بالنظام الأصلح ، ثمّ انتهوا إلى نفس النتيجة التي انتهينا إليها ، فما ذهبوا إليه كأنّه أكلٌ من القفا . نعم ، الذي يرد على تفسير الفلاسفة للقدرة أنّهم فسّروا الإرادة بأنّها العلم بالنظام الأصلح وهو أشبه بالتسمية ؛ إذ إنّ العلم ليس من مصاديق الإرادة لأنّ مفهوم العلم شيء ومفهوم الإرادة شيء آخر . الإشكال الثاني : هذا الإشكال مؤلّف من كبرى وصغرى . أمّا الكبرى فهي أنّنا نقول إنّ الإرادة كالعلم الذي هو نحو من الوجود ، لا من الماهيّات ، فكما أنّ العلم قد يكون واجباً كالواجب تعالى وقد يكون ممكناً ، والممكن قد يكون جوهراً وقد يكون عرضاً ، فكذلك الإرادة ، فقد تكون ممكنة كالإرادة التي عند الإنسان التي هي كيف نفساني ممكن ، أمّا الإرادة عند الواجب تعالى فتكون واجبة عين ذاته تعالى . هذا من جهة الكبرى وهي إمكان كون الإرادة عند الواجب تعالى واجبة . أمّا من جهة الصغرى أي بيان المصداق ، فهي أنّ الفاعل المختار ، وهو الواجب تعالى ، لا يفعل إلّا بإرادة ومشيئة ، وإرادة الواجب ومشيئته لا يعقل أن تكون من الكيف النفساني ، كما هو واضح لأنّ الكيف النفساني ماهيّة ممكنة