السيد كمال الحيدري

73

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

أتمّ منها ، وذلك لأنّ كلّ وجود ناقص فهو فقير في ذاته متعلّق بغيره ، فلابدّ أن تنتهي هذه المراتب الوجوديّة إلى مرتبة لا يمكن أن يتصوّر أتمّ منها ، وإلّا يلزم أنّ المراتب الناقصة من الوجود غير متعلّقة بغيرها ، وهو خلف كونها عين التعلّق والربط بالغير . فإن كان ذلك الغير تامّاً بل لا يتصوّر فوقه ما هو أتمّ منه ، ثبت المطلوب ، وإن لم يكن كذلك ، بأن لم يكن تامّاً أو كان ولكن أمكن تصوّر ما هو أتمّ منه ، كان وجوده محدوداً مركّباً من الوجود والعدم ، وبتعبير آخر من الوجدان والفقدان ، فكان زوجاً تركيبيّاً له ماهيّة ووجود ، ولازمه أن يكون ممكناً محتاجاً إلى قاهر يوجده ، هذا خلف ، لأنّ ما فرض غاية كمال الوجود لم يكن كذلك . قال المصنّف : « إنّ بين مراتب الوجود إطلاقاً وتقييداً بقياس بعضها إلى بعض ، لمكان ما فيها من الاختلاف بالشدّة والضعف ونحو ذلك . . . فالمرتبة الضعيفة كالمؤلّفة من وجدان وفقدان ، فذاتها مقيّدة بعدم بعض ما في المرتبة الشديدة من الكمال ، وإن شئت فقل : محدودة . وأمّا المرتبة الشديدة فذاتها مطلقة غير محدودة بالنسبة إلى المرتبة الضعيفة . وإذا فرضنا مرتبة أخرى فوق الشديدة كانت نسبة الشديدة إلى هذه التي فرضنا فوقها كنسبة التي دونها إليها ، وصارت الشديدة محدودة بالنسبة إلى ما فوقها ، كما كانت مطلقة بالنسبة إلى ما دونها ، وعلى هذا القياس في المراتب الذاهبة إلى فوق حتّى نقف في مرتبة ليست فوقها مرتبة ، فهي المطلقة من غير أن تكون محدودة إلّا بأنّها لا حدّ لها » « 1 » . وبهذا ننتهي إلى أنّ المراتب الوجوديّة لابدّ أن تنتهي صعوداً في سلسلة العلل الوجوديّة ، إلى مرتبة صرْفة لا يمكن أن يتصوّر فوقها مرتبة ، إذ لو كان

--> ( 1 ) نهاية الحكمة ، مصدر سابق ، الفصل الثالث من المرحلة الأولى : ص 19 .