السيد كمال الحيدري

27

شرح نهاية الحكمة ( الإلهيات بالمعني الأخص )

أوّلًا : لا تعني الإحاطة التامّة بالذات المقدّسة ، إذ إنّ الإحاطة بها مستحيلة ؛ لأنّ ذاته تعالى غير متناهية ، ومن المُحال إحاطة المتناهي كالإنسان مثلًا باللامتناهي . وهذا ما أشار إليه صدر المتألّهين بقوله : « وأمّا أنّ حقيقته غير معلومة لأحد علماً اكتناهيّاً وإحاطيّاً عقليّاً أو حسّياً ، فهذا حقّ لا يعتريه شبهة ، إذ ليس للقوى العقليّة أو الحسّية التسلّط عليه بالإحاطة والاكتناه ، فإنّ القاهريّة والتسلّط للعلّة بالقياس إلى المعلول ، والمعلول إنّما هو شأنٌ من شؤون علّته ، وله حصول تامّ عندها ، وليس لها حصول تامّ عنده . وأمّا أنّ ذاته لا تكون مشهودة لأحد من الممكنات أصلًا ، فليس كذلك ، بل لكلّ منها أن يلاحظ ذاته المقدّسة عن الحصر والتقييد بالأمكنة والجهات والأحياز على قدر ما يمكن للمُفاض عليه أن يلاحظ المُفيض ، فكلّ منها ينال من تجلّي ذاته بقدر وعائه الوجودي ، ويحرم عنه بقدر ضعفه وقصوره وضيقه عن الإحاطة به ، لبُعده عن منبع الوجود من قبل ضعف وجوده أو مقارنته للأعدام والقوى والموادّ ، لا لمنعٍ وبخل من قبله تعالى » « 1 » . وثانياً : إنّ هذه المعرفة لها مراتب متعدّدة ، وأدناها هي المعرفة الحاصلة لدى كلّ إنسان ، وأعلاها ما يفوز به الأنبياء الكاملون والأولياء المقرّبون والشهداء والصدِّيقون . أقسام العلم الحضوري بالله تعالى ينقسم هذا النحو من العلم به تعالى إلى بسيط ومركّب . توضيحه : إنّ العلم كالجهل قد يكون بسيطاً ، وهو عبارة عن إدراك شيء مع الذهول عن ذلك الإدراك ، وعن التصديق بأنّ المدرك ما هو ؟ وقد يكون مركّباً ، وهو عبارة عن إدراك شيء مع الشعور بهذا الإدراك وبأنّ المدرَك هو

--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة ، مصدر سابق : ج 1 ص 114 .