السيد كمال الحيدري

278

شرح بداية الحكمة

العقلية الكلية مجرّدة عن المادة ، ووقع النزاع بينهم في أنّ الصور الجزئية ، المحسوسة والخيالية ، هل هي مجرّدة عن المادّة أم لا ؟ فذهب المشّاءون إلى أنّ الصور الجزئية مادية ، وذهبت مدرسة الحكمة المتعالية إلى أنّ الصور مطلقاً - أعمّ من أن تكون كلية أو جزئية ، خيالية أو محسوسة - مجرّدة عن المادة « 1 » . وبرهن المصنّف على تجرّدها عن المادّة بعدّة براهين : البرهان الأول : ما تقدّم من أن الصورة العلمية لا توجد فيها قوة وقابلية أن تتحوّل وتتبدّل إلى شيء آخر ، بخلاف الموجودات المادية ، فإنّها وإن كانت فعلية ولكن فعليتها ممزوجة مع قوة وقابلية أن تكون شيئاً آخر . وأما الصورة العلمية فهي فعلية محضّة لا تقوى على أن تكون شيئاً آخر . وما يجده المرء في نفسه من تقسيم الصورة الواحدة إلى نصفين ، كتقسيم صورة المتر الواحد إلى نصفين ، لا يدلّ على أن الصورة العلمية قابلة للانقسام ، بل يدل على أن المرء بإضافة الصورة السابقة أوجد في ذهنه صورة عن النصفين . يدلّ على ذلك أنه لو كانت صورة النصفين هي نفس الصورة السابقة ، لكان ينبغي أن تزول الصورة السابقة من الذهن بعد انقسامها إلى نصفين ، والحال أنه لا تزول الصورة السابقة من الذهن بعد تصور النصفين . فإذن

--> ( 1 ) ولقائل أن يقول : سواء كانت الصورة الجزئية - الحسية والخيالية - مجرّدة عن المادّة أو مادّية ، فما هو الأثر المترتّب على ذلك ؟ والجواب : هناك لوازم كثيرة ، منها : أنه إذا كانت الصور الجزئية مادّية ، فإن الحيوان لا توجد عنده صور مجرّدة ، فهو مادّي وبموته ينتهي كل شيء . وإذا كانت الصور الجزئية مجرّدة عن المادة ، فحيث إنّ المجرّد لا يقبل الفناء فسيكون للحيوانات حشر وجزاء يوم القيامة . ومن هنا ينفتح باب آخر هو أن للحيوانات تكليفاً في عالم الدنيا ، والسيد العلامة يرى في كتاب أصول الفلسفة أن لها مفاهيم اعتبارية كما للإنسان ، ومن هنا ينفتح باب التكليف عنده ( العلامة الحيدري ) .