السيد كمال الحيدري

176

شرح بداية الحكمة

الذي في الذهن أجزاؤه مجتمعة ، ينظر إليه الذهن بعنوان أنه وجود واحد ، يبدأ من مكان وينتهي إلى مكان . ولكنه في الواقع الخارجي ليس كذلك ، حيث إنّه لا يمكن أن ينتقل إلى الجزء اللاحق إلَّا بعد انعدام الجزء السابق . فالحركة في الواقع الخارجي هي أجزاء غير مجتمعة في الوجود ، وهذا معنى أنها غير قارّة . ولكن المفهوم الذي يأخذه الذهن والخيال عن الحركة مجتمع الأجزاء ، فإذا كان كذلك فإن مفهوم الحركة في الذهن لا يكشف عن حقيقة الحركة . وعليه ، فالبحث في تعريف الحركة وأقسامها ومتعلقاتها إنما يقع في الحركة القطعية التي هي نحو وجود سيّال ، ولا علاقة له بالحركة التوسطية . وانقسام الشيء المتحرّك ليس هو انقساماً بالفعل ، بل هو انقسام بالقوة وبلحاظ العقل الذي يفرض لهذا الموجود الواحد المتّصل السيّال أجزاء . وبحسب تعبير المصنف : ينقسم إلى أجزاء تمتزج فيه القوة والفعل . أي أن كل جزء من هذه الأجزاء تتشابك القوة والفعل فيه بحيث يكون كل جزء مفروض - لا بالفعل - فعلًا لما قبله من الأجزاء وقوة لما بعده ، أي أن كل جزء يشار إليه بالإشارة العقلية فهو فعل لما قبله من الأجزاء وقوة لما بعده من الأجزاء . وهذه العبارة يوجد فيها شيء من التسامح ، وذلك باعتبار أن كل جزء مفروض ليس هو فعلًا لما قبله من الأجزاء ، بل كل جزء مفروض هو فعل للقوة الموجودة في الجزء اللاحق ، لا أنه فعل للجزء السابق ؛ لأنّ كل جزء من الأجزاء مركب من قوة وفعل ، وهذا الجزء اللاحق ليس هو فعلية الجزء السابق ، بل إنّ فعلية الجزء السابق بفعليته الخاصة به . فلو كان للماء قابلية أن يكون هواء أو بخاراً ، وصار الماء بخاراً ، فهنا لم يصبح الماء بخاراً بل القوة الموجودة في الماء صارت بخاراً وهواء ، وإلّا فتلك الفعلية السابقة للجزء السابق بطلت ووجد مكانها فعلية جديدة . فالفعلية اللاحقة ، وهي الهوائية ، ليست هي فعلية الجزء السابق بل هي فعلية القوة الكامنة