السيد كمال الحيدري
137
شرح بداية الحكمة
السبق بالدهر وهو يتفق مع السبق بالعلية من جهة ، ويختلف معه من جهة أخرى ، وجهة الاتفاق هي أن السابق بالدهر هو دائماً علّة للاحق بالدهر ، وينحصر مثاله في تقدّم العلة التامة على معلولها . وكونه قسماً برأسه لاختلاف الحيثية بينهما ؛ فتارة تلحظ العلة من حيثية إيجابها للمعلول وأخرى تلحظ بما هي وجود . فإذا لوحظ في العلة إيجابها للمعلول فهو التقدّم بالعلية ، وإذا لوحظت العلة بما هي وجود ولوحظ معلولها كذلك ، فإن المعلول في رتبة علته مسبوق بالعدم وهو الحدوث الدهري . وهذا الكلام يجري حتى في المجردات ، ولهذا لا علاقة له بالزمان . فالعقل الأول علّة للعقل الثاني ، ولكن العقل الثاني معلول ، ومرتبته ليست في مرتبة العقل الأول بل هي دونها ، فإذن هو في مرتبة العقل الأول معدوم . وهنا النظر إلى الوجود لا إلى الإيجاب وعدم الإيجاب . ففي حيثية التقدّم بالعلية النظر إلى حيثية الإيجاب وعدم الإيجاب ، ولكن هنا النظر إلى حيثية الوجود . ففي مرتبة الوجود السابقة تكون مرتبة الوجود اللاحقة - هي المعلول - معدومة . فإذا كان الشيء مسبوقاً بعدمه في رتبة علته يسمى حادثاً دهرياً وإلّا فهو قديم بالدهر . وهذا الحدوث الدهري ثابت لكل عالم الإمكان سواء كان مجرداً أو مادياً إلَّا الواجب سبحانه وتعالى فإنه لا علّة له فيكون مسبوقاً بعدمه في رتبة علته . ومن هنا نفهم عبارة أمير المؤمنين حيث يقول : ) سبق العدم وجوده ( « 1 » ؛ لأن كل ما عداه مسبوق بالعدم . والمحقق الداماد إنما كتب كتاب ) القبسات ( لأجل إثبات الحدوث الدهري لعالم الإمكان في مقابل القديم بالدهر وهو الحق سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) نهج الإيمان ، ا بن جبر : ص 359 ، قال ( عليه السلام ) : ) سبق الأوقات كونه والعدم وجوده ( .