السيد الطباطبائي
43
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
والركون إلى الدنيا ، وغير ذلك ، فتقع الأخلاق الفاضلة حينئذ باللّه وللّه ، فافهم ذلك . ولعمري كم من الفرق بين أن يزيل الإنسان رذيلة الجبن - مثلا - عن نفسه تارة بأن لا يتوجّه إلى غير الحقّ سبحانه ، فلا شيء حتّى يخاف منه . وتارة بأن يتّكل على اللّه في دفع المكروه المخوف عنه ، كما في ظاهر الشرائع . وتارة بأن يعتقد أنّ وقوع المكروه المخوف عنه أمر ممكن مساوي الطرفين والخوف والجبن بترجيح جانب الوجود ترجيح بلا مرجّح ، وهو قبيح ، أو أنّ الجبن رذيلة عند الناس لا يقع الثناء عليه ، كما يقوله الحكيم الأخلاقي ، وعلى ذلك فقس ، ومع ذلك فقد استعملت الشريعة المقدّسة في تعليمه جميع الوجوه . وإلى نحو هذا المعنى يشير ما في تفسير القمّي في حديث المعراج ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « يا ربّ ، أعطيت أنبيائك فضائل ، فأعطني . فقال اللّه : قد أعطيتك فيما أعطيتك كلمتين من تحت عرشي : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه ، ولا منجي منك إلّا إليك » « 1 » . وأمّا في رتبة الأفعال ، فقد قصرت الإباحة في ضروريّات الحياة على ما تقتضيه الفطرة ، ثمّ حاصر ذلك بالتوجيه إلى اللّه عزّ وجلّ في صغير الأفعال وكبيرها ، ثمّ طرد استعمال ذلك في جميع جزئيّات أطراف الحياة من الأمكنة والأزمنة ، والصحّة والمرض ، والغنى والفقر ، والموت والحياة ، وسائر الحالات ، وجميع الأفعال ، فصارت شريعة حافظة للتوحيد على وحدته في هذه الكثرة ، وحافظة لهذه الكثرة على كثرتها في التوحيد ، فاغتنم فهذه لعمر اللّه نعمة لا توزن بالسبع الشداد ، والأرض ذات المهاد ، والجبال الأوتاد .
--> ( 1 ) تفسير القمّي : 1 : 403 ، لكن ورد : « منجا » بدل « منجي » .