السيد الطباطبائي

418

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

ثمّ نقول : قد مرّ في الأصول السالفة « 1 » أنّ الخيال يحاكي صورة ما يحاكي عليه بالمعاني والأمور المناسبة الحاضرة عنده ، إمّا بحضور اتّفاقي أو عادي أو طبيعي . ومرّ أيضا أنّ الطبع والمزاج له دخل عظيم في إعطاء صورة مناسبة لنفسه ، مثل أنّ المحموم يتصوّر النار بالضرورة لما عنده من الحرارة والبرد لما عنده من البرء والإفاقة ، ومرّ أيضا أنّ النفس عند رجوعها إلى عالمها المثالي تطلع على الارتباطات المثاليّة التي في باطن عالم الحسّ . هذا ، وبهذه الأصول الثلاثة يتمّ معظم ما في النوم من السرّ والحقيقة ، فعند النوم لو غلب المزاج أو أمر قهري يعطي النائم خيالا كتخمة أو امتلاء أو خيال غالب قبل حين النوم أو حادث قوي يردّ على الحواس الظاهرة ، وخصوصا اللامس ، كلدغ أو حكّة أو حرارة أو برودة قويّة ، أو وارد آخر يؤثّر في الحسّ تأثيرا شديدا بحيث يصل إلى النفس ، فحينئذ يرد على النفس خيال مناسب لذلك ، فترى - مثلا - الحمام أو الثلج أو المطر أو ما أشبه ذلك أو تخلطه بما ترى من الرؤيا ، وربّما ترى أمورا هائلة مهولة - كما في عبد الجنة - فمثل هذه الرؤيا خالية عن اعتبار التعبير ، وأمّا إذا لم يسبق واحد من هذه الأمور غارت النفس في عالمها المثالي ، ورأت ما رأت . ثمّ نقول : وحينئذ ربّما حاكته بالمناسب النوعي ، وربّما أخذ بنفس المرئي ، فإن حاكته بالمناسب النوعي وبالمناسب عنده لعادة شخصيّة أو مناسبة اتّفاقيّة كانت الرؤيا محتاجة إلى التعبير ، وهو الانتقال من مناسب إلى مناسب حتّى يقف على الأصل المشهود ، كما أنّ الإنسان ربّما يرى العلو سماء أو منارة أو فرسا ، والفخر سلطنة وتاجا أو ما أشبه ذلك ، ويرى العدوّ حيّة أو كلبا أو محذورا آخر ، ويرى كلّ مخوف محذور في صورة عدوّه ، وبما ينتقل من ضدّ إلى ضدّ ، كما ينتقل من مثل إلى مثل ، فمن الصحّة إلى السقم ، ومن الحياة إلى الموت .

--> ( 1 ) في الفصل السابع من هذه الرسالة .