السيد الطباطبائي

411

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

بملائمة من الصور في عالم الحسّ ، وربّما بدت في أوائل الحال صور مهيبة أو أمور هائلة حكاية ما تجده النفس من معاني تستغربها وتستوحشها لغربتها ابتداء في هذا العالم ، أو تحسر الأمور لذيذة فائتة من عالم الحسّ . ومن هنا يظهر أنّ هذه المرتبة غير دائمة ، بل مستبدلة بأحسن منها لا محالة بعد الرسوخ . هذا ثمّ لا يزال الانتزاع من بقايا عالم الطبيعة وآثارها ، وهي هذه الإدراكات الجزئيّة بالميل إلى باطنها ، والروح الساري فيها ، والمتوجّه إلى الحقّ المطلق تبارك وتعالى ، حتّى تحصل الإدراكات الجزئيّة ، والصور الحاكية لها ، وهي آخر هذه الصور ، كما أنّ أوّلها صور شديدة الحكاية لعالم الحسّ في عدم الانضباط ، والعلّة في ذلك ظاهرة ، وبعد ذلك يحصل إدراك المجرّدات الأدنى فالأعلى ، فيشاهد في ذلك أسرار عالمي الحسّ والمثال وموجودات بهيّة خالية عن الآلام والظلمات والحجب ويشتدّ الوله والوجد والمحبّة ، وكلّما علا في الارتقاء أوغل في النفوذ إلى الباطل ، ويحصل الارتقاء من حال إلى ملكة حتّى يتمّ هذه العوالم ، وفيها ما لا عين رأت ، ولا اذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر . وإلى هذا المقام إنّما يشاهد الحقّ تعالى بغيره ، وذلك غير حقّ المشاهدة ، وذلك ظاهر فيتوقّف مشاهدته تعالى على نسيان الغير ، ثمّ على نسيان النفس ، والفناء في مشاهدته ، فإذا حصل ذلك النسيان وهذا النسيان طلع نور الحقّ الواحد تبارك وتعالى على مراتب أسمائه وصفاته وذاته ، فينمحي عند ذلك جميع الشرور والنقائص والآلام ، ولم يبق إلّا الوجود المحض ، والمحض من كلّ كمال من غير كثرة ، وحصل جميع ما في العوالم السالفة على أشرف وجه يجب ، وهذا مقام خارج عن حيطة البيان . وبعد هذه المرتبة مرتبة مشاهدة محض الوحدة من غير جهة كثرة أصلا ، وإن كانت في عين الوحدة ، ثمّ لما حصل الرسوخ ووكّد الانس لم يضرّه الالتفات إلى