السيد الطباطبائي
399
مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي
استدام الإدراك استدامت اللذّة ، وأيضا كلّما قوي الإدراك قويت اللذّة . وأيضا فلو كان فعل القوّة واحدا من غير شاغل استمرّت لذّتها وزادت غاية ما يمكن . ويظهر أيضا أنّ الألم المحض غير موجود البتّة بخلاف اللذّة المحضة ، وذلك لكون الألم عدم اللذّة ، فوجوده على سبيل العرض ، وهذا سرّ تحته أسرار ، فافهم . ويظهر أيضا أنّه لا لذّة ولا ألم إلّا بالإدراك ، ويشهد بذلك أيضا أنّ كلّ لذّة لو فرضنا غفلة المدركة عنها افتقدناها ، ولو فرضنا إدراكها لها وليست في الخارج بالحقيقة وجدت اللذّة بعينها . ثمّ نقول : إنّ القوّة الواحدة لا تتألّم بفعل نفسها ، وذلك ظاهر ممّا مرّ بيانه ، فكلّ قوّة إنّما تتألّم بفعل غيرها ، حيث إنّ ذلك يتضمّن عدم فعلها ، فتتألّم بذلك ، ومع ذلك فلا بدّ من رابطة بينهما ، وإلّا فالفعل من شيء مباين لا مماسّة له مع فعل شيء مباين آخر ، وذلك ظاهر ، ولا بدّ أن يكون ذلك الرباط بما له قوّة الإدراك إذ لو كان بغيره عاد المحذور بعينه . ومن هنا أيضا يظهر أنّ بين قوى الإنسان أمرا محيطا رابطا بينها ، كما مرّ آنفا لأمر المدرك فينا هو الرابط إمّا ابتداء أو ينتهي إليه أخيرا . ويجب أن يعلم أيضا أنّ كثرة فعل قوّة يوجب اعتياد القوّة الأخرى بما يناسب ذلك في بابه إن كانت بعد رسوخ الملكة فبالصعوبة ، وإن كانت قبل فبالسهولة ، وذلك لما مرّ أنّ ورود الفعل يؤثّر في النفس ، ويثبت صورة ملائمة حتّى يحصل ملكة ، فتثبت حينئذ ملكة كالمتوسّط يكون أفعالها بطبعها كثيرة الشبه بأفعال القوّة المزاحمة محاكية لها ، مثال ذلك أنّ المتكبّر المختال أكله وشربه ومشيه وقعوده كلّ ذلك متصوّرة بالتكبّر والاختيال ، والمحزون المهموم أفعاله محزنة ، والعاشق الواله واله في جميع أفعاله .