السيد الطباطبائي

392

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

وكلّما كان كذلك ولوحظ ملائماته اشتدّ توجّه النفس إليه ، فيكون أثبت عندها ، فإذا ثبت أوّل مرتبة أوجب خفاء ما في العلم السابق الذي كان بخلافه ، وخرج هو نفسه عن الخفاء إلى الجلاء ، ثمّ إذا وقع ثانيا فحيث كان فيه وصفان ، فلوصف الخفاء الذي فيه لعدم انهدام العلم السابق بالكلّيّة توجّهت النفس إليه وزادت في إمعانها فيه ، فلوصف الجلاء كان ذلك منها في المرّة الثانية أقلّ من المرّة الأولى ، ونسبة الثالثة إلى الثانية كنسبة الثانية إلى الأولى ، وكذلك القول إذا لم يكن العلم الطارئ مسبوقا بعلم يخالفه بنظير البيان ، لكن بينهما فرقا ، وهو أنّ الصورة الطارئة حيث كانت مخالفة كانت موجبة لصرف النفس عن الصورة الأولى ، وملائماتها كانت أثبت عند النفس ، لأنّها منصرفة عن كلّ واحد من ملائماتها ، ومتوجّهة إليها ، فيكثر تصوّرها لملائماتها وللعل والملائمات التي صادفتها ابتداء ، فكان أثبت عندها ، وأقرب من التفصيل بخلاف ما إذا كان ورود العلم ابتداء فينحصر توجّه النفس إلى ما صادفتها منها ، ويقلّ انفعالاتها المزاجيّة حينئذ ، وغيرها ، ومن هنا ما قيل : إنّ قدر النعمة يعلم بعد الفقد . ومن هنا كان الالتذاذ والتألّم عن الشيء بعد الكدّ والجد فيه أشدّ ، وله نظائر كثيرة . فقد بان أنّ كلّ علم فله تأثير ما في النفس ثبوتا ، ومن جهة آثاره من الفرح والحزن والغضب والشره ونحو ذلك ، وبان أيضا أنّ الصورة الواردة المخالفة أقوى تأثيرا ، وأثبت وجودا ، وأعسر زوالا من الصورة الواردة ابتداء . ثمّ نقول : إن تكرّر الورود يوجب الرسوخ وصعوبة الزوال ، ويظهر سبب ذلك ممّا بيّناه آنفا من اختلاف الصور عند النفس ظهورا وخفاء ، فإنّ الرسوخ هو نوع ما من الظهور ، فكلّما كثر ورود الصورة كثر توجّه النفس إليه وقوى ، وكلّما كان كذلك صعب انصرافها عنه ، أي غفلتها عنه ونسيانها لما عرفت . ثمّ نقول : إنّ في الإنسان ، بل مطلق الحيوان ، ملكة وحالا ، ونعني بالملكة :