السيد الطباطبائي

387

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

وكلّ وقف ، فإنّه مذعن بأنّ الراحة البدنيّة أوجب وألزم ، فحينئذ نقول إنّ الأفعال المشروطة في وجوبها وإن كانت على السويّة من هذه الجهة ، لكنّها مختلفة من جهة أنّ فعلا واحدا منها ربّما لم يشترط بشيء أو يشترط بشيء ما قليل في بابه ، وربّما اشترط بأمور كثيرة لا يخلو عن مصادفة واحد منها مع مانع ، ففي الحالة الأولى لا يؤثّر في الفعل وإرادته كثير من المصادفات من الأمور القابلة للممانعة والمزاحمة ، وفي الحالة الثانية تسقط الإرادة وينقطع الفعل بمجرّد طلوع مانع جزئي من الموانع ، مثال ذلك : حال الشجاع والقوي إذا قاتلا ، فالشجاع يعتقد أنّ لا حياة مع الذلّة ، والتخلية عن سبيل العدوّ المفسد ذلّة وهوان ، فلا يريد إلّا العزّة ، ولا يريد الحياة بدونها ، ولا كلّ ما يريد لأجل الحياة من سلامة الأعضاء وغيرها . وأمّا القوي الفاسد فإنّه يريد الغلبة ، فيريد الحياة ، وكلّ ما يحتاج إليه في الحياة ليحوز لذائذ الغلبة بها ، وإلّا فلا يريد إلّا لحياة ؛ لأنّ مقصده الأسنى هو هي ، وما لا تتمّ إلّا به ، فكلّ جراحة ترد على الشجاع ، وكلّ تعب وألم قاساه حتّى الموت المرّ يصبر عليه ويتجلّد ابتغاء العزّة . وأمّا القوي فثباته وصبره محدود بما يطّلع عنده من طالع الموت ، أو ما لا يلتذّ معه في حياته فيقف عند بلوغ الأمر به إلى ذلك الأمد دون الشجاع ، ومثل ذلك اختلاف الهمّة في طالبي غلبة ، فربّما سقطت همّة أحدهما قبل الآخر . فقد بان أنّ بين الأفعال والآثار اختلافا في جانبيّ الشدّة والضعف . ثمّ نقول : إنّ ذلك مستندا إلى قوّة العلم وضعفه ؛ وذلك لأنّ سقوط الفعل وإرادته إنّما هو لسقوط العلم ، وسقوط العلم وهو الإذعان بالوجوب ، أعني ارتفاعه إنّما يكون بارتفاع أطرافه ، وارتفاع الأطراف أو أحدها إنّما يكون إمّا بثبوت نقيضها حقيقة ، وإمّا بزوالها عن النفس ، والزوال إنّما يكون بضعف توجّه النفس ، إذ مع توجّهها إليه وإرادتها شهوده امتنع الزوال إلّا لضعف الآلة الحاملة له ، فعلى التقدير