السيد الطباطبائي

358

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

بالتمثيل ، ولأنّ المحسوس أقدم عندهم ، كما مرّ « 1 » . ثمّ لا يزال تسرية الوهم واتّفاق الحاجة يحكمان الأمر ويفرّقان بين صوت وصوت ، ويخصّان هذا بهذا وذاك بذاك ، والفطرة في كلّ ذلك تستريح إلى الأسهل الأليق حتّى يوفيا أمرهما في المحسوسات وما ليس بالفعل تحت الحسّ بسببه ، كما نراه فيما سمعت من مثال المختلفي اللغة ، فيندرج في ذلك حتّى يتمّ أمر اللغة من ناحية الإشارة فيما يتمّ ، والألفاظ والألحان المختلفة المقارنة بالألفاظ كلّ ذلك جريا نحو الأسهل ، بل يختلط الأمر لقرب المأخذ بين الإشارة واللفظ ، فترى الشخص يتكلّم بلسانه وعلى وفق معاينة يشير بيده وإصبعه ورأسه وعينه وحاجبه ، وغير ذلك . وبالجملة : فيتمّ ولا يبرح حتّى يقتنص الأصوات التي بها يأنس ويستأنس ، ويوحش ويستوحش أنواع الحيوان أو يزجر أو يشجّع ، أو يغضب ، والوهم من أوّل الأمر حتّى يجعل اللفظ وجودا للمعنى لفظيّا يختال السامع أنّه يسمع أو يرى المعنى دون اللفظ ، كأنّه وجودا آخر له قبال وجوده الخارجي ، فيسري من المعنى إلى اللفظ حسن أو قبح أو سعادة أو شقاوة أو شئامة أو خساسة ، حتّى بحيث يتفأّل ويتطّير باللفظ . حتّى يسري من معنى إلى لفظ ، ومنه إلى آخر ، بل منه إلى معناه غالبا ، وقد قيل إنّ العرب كانت تتطيّر من العطاس ، لأنّهم كانوا يتشأمون من حيوان تسمّى عندهم عاطوسا ، وقد كانت العرب يتشأمون من الغراب ، لأنّه اسمه مشتقّ من الغربة ، وتتشأم من شجرة البان لأنّ البان من المبين . وإذ كان للوهم النوعان المذكوران من التصرّف ، فتارة من جهة التصرّف في المعنى يتوهّم نسبة مناسب المعنى إلى اللفظ ، كنسبة المعنى إليه ، فيحكى باللفظ

--> ( 1 ) في بداية هذا الفصل .