السيد الطباطبائي

355

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

فإنّ العادات تثبت في الأوهام قضايا تلائمها ، وأخلاقا وباختلافها تختلف ، فتختلف النتائج التي هي أوساط لها ، كما سيجيء في الفصل السابع من المقالة الثانية ، وذلك مثل أن نفرض شخصين أحدهما مقيم في مكان حارّ ، والآخر متوطّن في مكان بارد ، فالأوّل يتأذّى من اللباس الزائد الخشن حتّى إلى أن يضطرّه ذلك إلى الاكتفاء بوزرة ، ولا ينفعل عن ذلك عند الملأ العام ، بل سئل عن سببه لو لبس خشنا والآخر على خلافه في الجميع ، فالالتجاء إلى بارد السرداب المظلم ، والخروج على الناس مكشوف الرأس ، مفتوح الجيب ، حسن عند الأوّل قبيح عند الثاني ، وبالعكس على تقدير العكس ، وهذا أيضا نوع . وهناك نوع آخر ثالث ، وإن لم يرجع إلى تغيّر ما بنوا عليه في الحقيقة ، وهو التغيّر في الاعتبار بحيث يخرج عن موافقة المنشأ حتّى يكون محلّا للبناء ، إذ قد عرفت أنّ الاعتبار حيث إنّه من خلط الوهم لا يكون إلّا عن منشأ ، فإذا اعتبر هناك معنى من المعاني حدث هناك أن يفهم أنّه معنى حقيقي في عرض سائر المعاني الحقيقيّة ، ثمّ يسري حكمه الوهم كما كان يسري حكم الأمر الحقيقي ، كما مرّ منه ذكر في الفصل الثاني . وإليكم المثال المفروض هناك ، فالفطرة تحكم بين الشخص وغذائه بنسبة مثل النسبة بين الشيء ولازمه أو جزئه ، وهي الضرورة ، ثمّ بعد هذه النسبة وقد توهّمت حقيقيّة ، وكان هناك غذاءان حكمت بمثل تلك النسبة ، وواحد من الغذائين لا بعينه لمكان صلوح كلّ منهما مع أنّ أصل النسبة وهي التي فرضناها حقيقيّة لا تحول بين معين وغير معيّن ، لما برهن عليه في العلم الأعلى أنّ الوجود إمّا عين التشخّص ، وأمّا يستلزمه . وبالجملة : فتكون هذه النسبة وجوبا كالتخييري ، وكذلك طلب الشيء من أحد الشخصين وغير ذلك ، وكذا في الملك - مثلا - ما هو المشاع .