السيد الطباطبائي

118

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

لأثرت التبعيّة المحضة ، ولم يكن فعل الشرك إلّا فعلا واحدا صادرا من آبائهم دون الذرّيّة ، حتّى كانت الذرّيّة تقول يوم القيامة إنّا كنّا متّصلين بآبائنا ، وموجودين بتبعيّتهم ، والشرك كان من فعلهم ، فبماذا نستوجب عذابنا بعد إذ فصلتنا منهم ، وميّزت وجودنا من وجودهم ، فأخبر سبحانه أنّه فرّق بينهم إذ ذاك لينقطع حجّتهم ، ويكون قوله تعالى : أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ احتجاجا بالفغلة عن الإشهاد الذي في هذا الموطن ، فلا بدّ حينئذ أن يكون حكمه بحيث لا يقبل التغيّر ، أي راجعا إلى الذات ، ونحو الوجود حتّى تجري على وتيرته وحسب اقتضائه الحياة الدنيويّة التي أوجبت شقاوتهم فيها ، فيكون هذه الغفلة غفلة ذاتيّة لهم عن ربوبيّته سبحانه وشهادتهم شهادة ذاتيّة وإبصارا وجوديّا ، وإشهادهم على أنفسهم إشهادا وكشفا ذاتيّا عن حقيقة أنفسهم ، وهي ليست إلّا باطلة الذات في نفسها ، وقائمة الذات بالحقّ ، ولهذا أردف سبحانه قوله تعالى : أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ بقوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فوضع سبحانه كلمة الربّ ، وهو المالك المدبّر ، ولم يقل : قال : ألست بربّكم ؛ لأنّ الكلامين - أعني قوله تعالى : أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ ، وقوله تعالى : أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ - بمعنى واحد الذي ذكر فعاد معنى الآيات ، واللّه العالم ، إلى أنّ هناك موطنا غير موطن الدنيا فرّق فيها بين أشخاص الإنسان وكثرهم بعد جمعهم ووحدتهم وعرّفهم وأراهم نفسه بتعريفهم وإرائتهم أنفسهم ، فشهدوه واعترفوا بربوبيّته ، ولولا ذلك لشملتهم الغفلة في هذه الدنيا ولم يوحّدوه في هذه الدنيا ، فافهم . لأنّ من أسلم ووحّد في ذلك الموطن لا سبيل له إلى الشرك ، ومن أشرك هناك لم يجد بدّا ، إلّا أن يشرك في هذه الدنيا كما يشير إليه سبحانه بقوله تعالى : فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ « 1 » ، وما بعد هذه الآيات : وَإِذْ أَخَذَ *

--> ( 1 ) يونس 10 : 74 .