السيد الطباطبائي
97
الإنسان والعقيدة
فكذلك نشأة البعث محيطة بالدنيا والبرزخ على ما يعطيه البرهان السابق واللاحق ، ومع الغضّ عن الإحاطة أيضا ، فانطواء بساط الزمان وانقطاع الحركات بين النشأتين يوجب انقطاع النسبة الزمانيّة ، ويبطل بذلك قبل وبعد . واعلم أنّ هناك آيات أخر قريبة السياق من الآيات المذكورة آنفا ، غير أنّها تعطي نحوا آخر من المعنى . قال سبحانه : وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً « 1 » . فإنّ تسيير الجبال بنقل أمكنتها وجعلها كثيبا مهيلا وكالعهن المنفوش لا ينتهي إلى كونها سرابا ، وذلك ظاهر . وقال سبحانه : وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ « 2 » . فإنّ ظرف « تَرَى » إمّا حال الخطاب أو حال النفخ ، كما يؤيّده وقوع الآية بعد آية النفخ ، فتنطبق على زلزلة الساعة ، وهي التي بها تذهل كلّ مرضعة عمّا أرضعت ، وتضع كلّ ذات حمل حملها ، وترى النّاس سكارى ، وهي لا تلائم قوله تعالى : تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ . فإنّها تدلّ على أنّ الجبال حينئذ على ظاهر كيفيّتها الجسمانيّة من الأبّهة والعظمة والاستقرار والتمكّن ، مع أنّها من غير هذه الحيثيّة غير مستقرّة ، بل سارية . ومن الدليل عليه قوله : صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ « 3 » . فإنّه لا يلائم فناء الجبال واندكاكها ، بل يشعر بأنّها في صنعها متقنة غير هيّنة
--> ( 1 ) سورة النبأ : الآية 20 . ( 2 ) سورة النمل : الآية 88 . ( 3 ) سورة النمل : الآية 88 .