السيد الطباطبائي
94
الإنسان والعقيدة
وقد استثنى سبحانه من المحضرين عباده المخصلين إذ قال : فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ « 1 » . ثمّ عرّفهم سبحانه بقوله حكاية عن إبليس حين رجم : قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ « 2 » . فبيّن أن لا سبيل للشيطان إليهم ، ولا يتحقّق إغواؤه فيهم ، وقد ذكر أيضا أنّ إغواءه إنّما هو بالوعد ، حيث قال سبحانه : وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ « 3 » . إلى أن قال : فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ « 4 » . واستنتج من ذلك كما ترى أنّ اللوم راجع إلى أنفسهم ، وأنّ الذنب راجع إلى الشرك ، وأنّهم بمقتضى شقائهم الذاتي ظالمون . وأنّ الظالمين لهم عذاب أليم ، فالمخلصون هم المخلصون عن الشرك بذاتهم لا يرون لغيره سبحانه وجودا ، ولا يحسّون لغيره اسما ولا رسما ، ولا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرّا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، وهذا هو مفهوم الولاية . وبالجملة : فأولياء اللّه سبحانه هم المستثنون من حكم الصعقة والفزع لا يموتون بالنفخة حين يموت بها من في السماوات والأرض ، وقد قال سبحانه : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ « 5 » .
--> ( 1 ) سورة الصافّات : الآيتان 127 و 128 . ( 2 ) سورة ص : الآيتان 82 و 83 . ( 3 ) سورة إبراهيم : الآية 22 . ( 4 ) سورة إبراهيم : الآية 22 . ( 5 ) سورة الأنبياء : الآية 104 .