السيد الطباطبائي
68
الإنسان والعقيدة
من يشاء من خلقه من ملائكته وغيرهم » « 1 » - الحديث . أقول : قوله عليه السّلام : « وغيرهم » ظاهره أنّه سبحانه ربّما توفّاها على يدي غير الملائكة من خلقه ، فهو معنى غريب ، ويمكن أن يراد به بعض المقرّبين من الأولياء العالين درجة من الملائكة المتمكّنين في مقام الأسماء كالقابض والمميت ، ويمكن أن يراد به ما يتوفّاه سبحانه بنفسه من غير توسّط الملائكة ، وإن كان مرجع المعنيين واحدا . فقد روى في الكافي عن الباقر عليه السّلام : كان عليّ بن الحسين عليهما السّلام يقول : « إنّه يسخي نفسي في ساعة الموت والقتل فينا قول اللّه : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها « 2 » ، وهو ذهاب العلماء » « 3 » . والظاهر - على ما ذكره بعض العلماء - أنّه عليه السّلام أخذ الأطراف - جمع طرف ، بتسكين الراء - بمعنى العلماء والأشراف ، كما ذكره في الغريبين « 4 » . وبالجملة ، فكما أنّ حال الأنفس في القرب من اللّه سبحانه على مراتب حقيقيّة ، كذلك حال المتوفّى ، فمن نفس يتوفّاها اللّه بنفسه تعالى ، لا تحسّ ولا تشعر بغيره سبحانه ، ومن نفس يتوفّاها ملك الموت لا تشعر بمن دونه كما يشير إليه الصادق عليه السّلام بقوله - في الرواية السابقة - مع ما يقبض هواه ، ومن نفس تتوفّاها الملائكة عملة ملك الموت ، والمأخوذ « المتوفّى » على كلّ حال هو النفس دون البدن كما مرّ ، وهو سبحانه أقرب إلى النفس من نفسه وملائكته من عالم الأمر وبأمره يعملون ، والنفس أيضا من هناك ولا حجاب في الأمر بشيء من الأزمنة والأمكنة ، فالتوفّي من باطن
--> ( 1 ) التوحيد : 262 ، الباب 36 ، الحديث 5 . ( 2 ) سورة الرعد : الآية 41 . ( 3 ) الكافي : 1 / 56 ، كتاب فضل العلم ، الباب 7 ، الحديث 6 ، وفيه : « فينا » بدل « فيها » . ( 4 ) تفسير الصافي : 3 / 76 .