السيد الطباطبائي
35
الإنسان والعقيدة
والدليل على ذلك قولهم : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الآية . وقوله تعالى : قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ الآية . بيان لنقص خلافتهم ؛ بأنّ اسم العلم لم يظهر فيهم تمام الظهور ، وليس من قبيل الإسكات كما يقوله أحدنا لمن ينكر شيئا من أمره إنّي أعلم ما لا تعلم . ويشرح ذلك قوله سبحانه : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ الآية . يظهر من السياق أنّ هذه الأسماء كلّها ، موجودات حيّة عالمة عاقلة ، وأنّها عين الأسماء التي علّمها سبحانه آدم عليه السّلام ، كما أنّ الاسم عين المسمّى ، وأنّ الذي علّمه هو جميع الأسماء ، وهي حيّة عالمة ، فالمراد بالأسماء غير الألفاظ قطعا ، بل الذوات من حيث اتّصافها بصفات الكمال ، وهي ظهوراتها التي يتفرّع على ذواتها ، يدلّ عليه قوله : أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ ، وقوله : فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ الآية . وحينئذ فينطبق على قوله سبحانه : وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ « 1 » . فهذه الأسماء هي خزائن الغيب غير المحدودة وغير المقدّرة ، وفيها كلّ شيء . ويظهر من هنا أنّ هؤلاء الملائكة المخاطبين ، إنّما كانوا هم الذين لا يرقى وجودهم عن عالم التقدير والحدود ، ويشير إليه قوله تعالى : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ . . . الخ . وقوله : إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 2 » الآية .
--> ( 1 ) سورة الحجر : الآية 21 . ( 2 ) والشاهد على ذلك أنّه سبحانه كرّر قوله : إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ بتبديله ، بقوله : إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الآية ، فللسموات والأرض غيب كما أنّ لهما شهادة ، والأسماء التي علّمها سبحانه آدم عليه السّلام هي غيبهما ، فافهم . ( منه قدّس سرّه ) .