السيد الطباطبائي
332
الإنسان والعقيدة
ولكنّنا إذا تعمّقنا في الدراسة والبحث في التوحيد نصل إلى حقيقة أعمق وأدقّ من ذلك ، وهي : أنّ الوجود بجميع شؤونه ، وكافّة النسب والمعاني المترتّبة عليه يرجع إليه تعالى على نحو يليق بساحة عزّه وقدسه . فهذه الصفات الفعليّة وإن كانت نسبا حادثة أساسها نوع من المجاز ، إلّا أنّ لها نوع قيام ، واتّصال به تعالى على نحو الحقيقة . . وإن قصر بياننا أو فكرنا عن تصويره ، وكشف حقيقته وهويّته ، فهي كما أنّها تتعلّق بالأشياء في الظاهر ، وترتبط تلك الأشياء أيضا بها ، ومنها أفعال الإنسان ، لها نوع تعلّق وارتباط باللّه سبحانه ، على نحو يليق بساحته ، وإن كان البيان عاجزا عن إيضاح ذلك كلّ الايضاح . . فقوله عليه السّلام : « أخبرني أكانت رحمة اللّه للعباد قبل أعمال العباد ، أم كانت أعمال العباد قبل رحمة اللّه ؟ » استدلال على تعلّق القدر بأفعال العباد ، بتقدّم رحمته تعالى على أعمالهم ؛ إذ أنّ ذوق التوحيد يأبى أن يقال : « إذا رحم اللّه عبدا ، فغفر له ذنبه » إنّ رحمته تعالى حدثت بحدوث الفعل ، أو بعد الفعل ، كما ويأبى أن يقال : إنّ قولنا رحم اللّه زيدا فرزقه ما يحفظ به بقاءه من الغذاء ونحوه مثلا . . معناه : « أكل زيد » ، وهكذا . . وفي قوله عليه السّلام : « أخبرني أخلق اللّه العباد كما شاء أو كما شاءوا ؟ » استدلال على ثبوت القدر . . بأنّ اللّه سبحانه إنّما خلق عن إرادة منه ، متقدّمة عليهم ، ومتعلّقة بجميع شؤون وجودهم ، ومنها أفعالهم ، وليس بغافل عمّا يعملون « 1 » . وليس بمغلوب في إرادته تلك ، ولن يستقلّ العباد في إرادتهم ومشيئتهم واختيارهم ، وعدم استقلالهم هذا لا يعني إبطال تأثيرهم ؛ فاللّه سبحانه أراد منهم أن يختاروا « كذا » باختيارهم وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 2 » . . والبحث موكول إلى محلّه .
--> ( 1 ) اقتباس من سورة الأنعام : الآية 123 . ( 2 ) سورة الإنسان : الآية 30 .